مــنــتـديات البــــــاحــث الأفـضــــــل
مرحبا بك زائرنا الكريم في منتدياتك "الباحث الأفضل". ندعـــــوك للتسجيل والانضمام لأسرة "الباحث الأفضل" والمساهمة بآرائك. فحضورك دعم لنا وقيمة مضافة لمنتدياتنا.



 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  
إعلاناتكم هنا
المواضيع الأخيرة
» إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
الجمعة فبراير 28, 2014 5:07 pm من طرف ابراهيم عثمان

» نــــورســــيـــدنا رســــول الله
الخميس فبراير 27, 2014 4:29 am من طرف ابراهيم عثمان

» فضل الصلاة على حضرة سيدنا رسول الله
الأربعاء فبراير 26, 2014 4:29 am من طرف ابراهيم عثمان

» بشائر المحبين
الإثنين فبراير 24, 2014 4:15 am من طرف ابراهيم عثمان

» الاعجاز العلمى لسماع القرأن الكريم
الخميس فبراير 20, 2014 5:38 pm من طرف ابراهيم عثمان

» الصدقة
الأحد فبراير 16, 2014 3:50 am من طرف ابراهيم عثمان

» الصيام المسنون
الخميس فبراير 13, 2014 5:51 am من طرف ابراهيم عثمان

» لغة وفصاحته صلى الله علسة وسلم
السبت فبراير 08, 2014 4:45 am من طرف ابراهيم عثمان

» نصائح لاجتياز الامتحان
الأحد سبتمبر 22, 2013 9:57 pm من طرف مصطفى نبوي

» المراجعة الفعالة
الأحد سبتمبر 22, 2013 9:55 pm من طرف مصطفى نبوي

» الأيام الوطنية والعربية والدولية
الأحد سبتمبر 22, 2013 9:45 pm من طرف مصطفى نبوي

» النظام الداخلي للمؤسسة
الأحد سبتمبر 22, 2013 9:43 pm من طرف مصطفى نبوي

» ورقة تعريفية ببعض القواعد الإملائية
الأحد سبتمبر 22, 2013 9:41 pm من طرف مصطفى نبوي

» ميثاق الفصل الدراسي
الأحد سبتمبر 22, 2013 9:39 pm من طرف مصطفى نبوي

» الأولى باك علوم دروس+تمارين(تتمة)+ملخصات ذ.محمد شركي:مفتش اللغة العربية+الإمتحان الجهوي مع التصحيح (منقو)
السبت مايو 18, 2013 10:08 pm من طرف المدير العام

» تواريخ مباريات ولوج المراكز الجهوية للتربية و التكوين للموسم 2013/2014
السبت مايو 18, 2013 9:46 pm من طرف المدير العام

» مجموعة قصائد رائعة لمحمود درويش
الإثنين مايو 13, 2013 12:34 pm من طرف المدير العام

» عاجل :النقابات التعليمية بزاكورة تدين الاقتطاعات من اجور الشغيلة و تدعو الشغيلة التعليمية الى سحب ارصدتها من البنوك جماعيا و تدعو الفروع النقابية الى الوحدة و التنسيق و تقرر خوض اضراب لمدة 48 ساعة ايام 15 و 16 ماي 2013
الأحد مايو 12, 2013 4:17 pm من طرف المدير العام

» عتبات الإنتقاء لولوج المؤسسات و المعاهد العليا بالمغرب برسم الدخول الجامعي 2012 - 2013
الأحد مايو 12, 2013 4:12 pm من طرف المدير العام

» مذكرة الخبرة التقنية
السبت مارس 16, 2013 11:52 am من طرف المدير العام


إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 بحث في موضوع:استراتيجيات النص الروائي عند طه حسين :مُؤلَّف "أديب" أنموذجاً

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
said idrissi
المشرف العام
المشرف العام



عدد المساهمات: 31
نقاط: 86
تاريخ التسجيل: 13/12/2011
العمر: 24
الموقع: تطوان/أرفود

مُساهمةموضوع: بحث في موضوع:استراتيجيات النص الروائي عند طه حسين :مُؤلَّف "أديب" أنموذجاً   السبت مايو 26, 2012 1:45 pm

من إعداد سعيد إدريسي

محاور البحث


مقدمـــة
الفصل الأول: تحديد لأبرز مفاهيم الموضوع
تمهيــــــد
1)مفهوم استراتيجية
2)تعريف مفهوم النص
3)النص الروائي
4)في مفهوم الخطاب
4-1)دلالة مفهوم الخطاب لدى العرب
4-2)دلالة مفهوم الخطاب لدى الغربيين
5)لمحة موجزة عن حياة طه حسين
6)التعريف بمؤلَّف"أديب"
الفصل الثاني :دراسة استراتيجيات طه حسين في رواية "أديب"
تمهيــــــد
1)وقفة على خطاب الرواية و مرتكزاته
1-1)المرســل
1-2)المرســل إليه
1-3)السيـــاق
أ-دلالة مفهوم "السياق"
ب-تحديد سيـاق خطاب رواية "أديب"
1-4)المقــاصد
2)الاستراتيجيات الموظَّفة لتحقيق مقاصد خطاب "أديب"
2-1)الاستراتيجية التلميحية
2-2)الاستراتيجية التضامنية
2-3)الاستراتيجية الإقناعية
خلاصـــة



مقدِّمــــــة

بسم الله الرحمان الرحيم . و الصلاة و السلام على خير من نطق هذا اللسان،مُدرِكاً فيه درجات البيان ،سيِّدنا محمد خير الأنام ،عليه أزكى صلاة و أبهى سلام .
و بعد
لا شك أن الحديث عن قضية الاستراتيجيات في الخطاب هو في عمقه حديث عن الأساس الذي يبنى عليه هذا الخطاب بمختلف أنواعه و مقاصده و أبعاده ، و من هنا نبعت لدى الدارسين فكرة الاهتمام بهاته الاستراتيجيات التي يتوخاها المرسل في خطابه تبعا لغرضه من صياغة هذا الخطاب و توجيهه . و قد اخترت الاشتغال على استخراج الاستراتيجيات التي ينبني عليها الخطاب الروائي انطلاقا من كوني مُولع بمتابعة هذا الصنف من الإنتاج الأدبي و لي شغف و فضول لمعرفة الأسس و المرتكزات التي ينبني عليها ، فوقع اختياري على إنتاج لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ، و يتمثل في مُؤلَّف "أديب" الذي استهواني أسلوبه و طريقة صياغة أحداثه على غرار معظم الإبداعات الروائية لهذا الهرم المتميز في تاريخ الرواية العربية و الأدب العربي عامة ، فآثرت الاشتغال عليه قصد معرفة الاستراتيجيات التي يعتمدها طه حسين في هذا المؤلف تحديدا ، و في خطابه الروائي بشكل عام.
و لأجل ذلك قمت بتقسيم موضوع بحثي على فصلين ؛ أولهما نظري يتوخى التعريف بأهم زوايا الموضوع و مفاهيمه المركزية ، فيما بقي الفصل الثاني ذا صبغة تطبيقية تبعا لطبيعة هذا الموضوع التي تستوجب ذلك ، و قد حاولت فيه ملامسة أهم الاستراتيجيات التي بني عليها خطاب الرواية انطلاقا من دراسة عناصر السياق التي تحيط بعملية إنتاج هذا الخطاب، و بيان الأركان الأساسية التي يقوم عليها ،و كذا أهداف و مقاصد المرسل الكامنة وراء توجيهه .
الفصل الأول :
تحديد لأبرزمفاهيم الموضوع

تمهيـــــــــــــــــد
لعلّه يَحسُن بي قبل الاستطراد إلى تبَيُّن الاستراتيجيات التي يقوم عليها الخطاب الروائي عند طه حسين- ومن خلال أنموذج مؤلَّفه "أديب" تحديدا-أن أقف أولا مع كشف دلالة بعض المفاهيم المركزية في موضوع البحث من قبيل مفهوم "استراتيجية" ، و مفهوم " النص " ، و" النص الروائي" و "الخطاب" ، و حرِيّ بي أيضا أن أقدِّم و لو لمحة موجزة عن حياة طه حسين هذا الهرم البارز في تاريخ الأدبية العربية قصد ملامسة بعض العوامل التي ساهمت في رسم معالم شخصيته الإبداعية و بناء حسه النقدي ، ثم بعدها التعريف بالمؤلَّف -موضوع الدراسة- وبيان بعض خصائصه و مميزاته ، إلا أنني سأبتدئ -بمشيئة الله- بالوقوف على المفهوم الأول (استراتيجية) وتتبع صيرورة انتقاله إلى حيز الدراسات النقدية الحديثة ، ثم بعدها الإتيان على المفاهيم الأخرى تِباعا .
1) مفهوم استراتيجية:
يعود أصل ظهور مفهوم " استراتيجية " إلى المجال العسكري و الحربي ، حيث كانت تحيل على الخطة التي تتم بها عملية مُلاءَمة الوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد عمليا للوصول للهدف المقصود ، إلا أن المصطلح لم يبقَ حبيسَ الأركان العسكرية ، بل انتقل بعدها إلى عدة مجالات معرفية ، لعل من أبرزها النقد الأدبي و الدراسات اللسانية حديثا .

و تعرف "الإستراتيجية" بكونها طريقة معينة يتخذها الإنسان في عملٍ ما ليتمكّن بها من مراعاة الأطر التي تحف بهذا العمل ؛ أي عناصر السياق من جهة ، و تمكنه من تحقيق الهدف من عمله من جهة ثانية . و مع كون الأعمال التي ينجزها الإنسان في حياته تتنوع بين أعمال اجتماعية و ثقافية و تجارية و لغوية ، فهذا يستدعي أيضا تنوعاً في طُرق إنجاز هذه الأعمال ، لأن الإنسان ينجزها في سياق اجتماعي ذِي عناصر مؤثرة .1

2) تعريف مفهوم "النصّ":
يحيل مفهوم النص كما ورد في المعاجم العربية على معنى الظهور و الارتفاع ، و هو في معجم "لسان العرب" يحمل دلالة الرفع ، حيث ورد نصَّ الحديث ينُصُّه نصّاً رفعه .و كل ما أُظهِر فقد نُصّ ، و يقال نَصَّ الحديثَ إلى فلان أي رَفَعَه ، و المِنصّة ما ترفع عليه العروس لترى ، و كل شيء نصص فقد أظهِر،و هناك لفظ النص و النّصِيص؛ أي السير الشديد و الحث،و أما النص فأقصى الشيء وغايته .2

أما مصطلح"نصّ" في اللسانيات فهو مقابل للدلالة اللغوية (Texte)، و هو يدل على النصوص و المتون العائدة لمؤلف ما ، كما يحيل على النسج ، بينما دلالته الاصطلاحية تحيل على سلسلة من الكلمات تؤلف تعبيرا حقيقيا في اللغة ، وهو" بنية لغوية قائمة بذاتها و ذات مدار مغلق ، فالنص يمكن أن يكون جملة كما يمكن أن يكون كتابا بأكمله ، إذ أن أهم ما يحدده هو استقلاليته و انغلاقه ".3

3) النص الروائي:
لا شك أن ربط مفهوم "النص" بوصف (الروائي) يجعله يحيلنا على المتن النصي لذلك الجنس المتميز من الأجناس الأدبية و المتمثل في فن الرواية ، و هي من الفنون القصصية ، حيث تكون عبارة عن قصة طويلة تشترك مع الأقصوصة العادية في أسلوب العرض و تختلف معها في طول حجمها و تفرع أحداثها ، وكذا تعدد شخوصها و أماكنها و أزمنتها غالبا ، و منها الرواية التاريخية و الاجتماعية و الفلسفية...إلخ ، و في كل هذه الأصناف من الرواية تتشابك الخيوط و تتداخل الأحداث مع أسلوب معين في السرد و الوصف لتشكل لنا في مجملها ما يصطلح عليه بالنص الروائي .

4)في مفهوم الخطاب:
صار مفهوم "الخطاب" من أبرز المفاهيم التي أثبتت وجودها و فرضت نفسها في شتى الحقول المعرفية ، و في مقدّمتها الحقلين الأدبي و النقدي خاصة ، إلا أن هذا المفهوم قد عرف توسّعا كبيرا فأصبح له إشعاع قوي مع ظهور مباحث علم اللسان و ما تلاها من تطورات منهجية امتد شعاع دائرتها ليشمل حقولا أخرى كعلم النفس و علم الاجتماع و علم اللغة (اللسانيات) و غيرها من العلوم و المعارف المعاصرة التي صارت عملية تحليل الخطاب عُمدة أساسية في فهم و تحليل و مُناقشة النصوص و القضايا و الأفكار التي تطرحها .
و بقصد الوقوف على دلالات مفهوم "الخطاب" نُعرِّج أوّلاً على المعنى الذي ينطوي عليه في المُدوَّنة اللغوية العربية ، و في الثرات العربيّ عامّة ، ثمّ بعدها نتحول صوبا نحو استخلاص دلالة المفهوم لَدى الغربيِّين ، و في الدّراسات الغربية الحديثة تحديدا .

4-1) دلالة مفهوم "الخطاب" عند العرب :
جاء في "لسان العرب" لابن منظور الإفريقي (الخطاب هو مراجعة الكلام بين طرفين أو أكثر، بحيث يتم تبادل رسائل لغوية) .4 كما نجد "المعجم الوسيط" لمُجمَّع اللغة العربية يعتبر أن الخطاب هو(الكلام...وفي التنزيل العزيز "وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ". و فصل الخطاب : الحُكم بالبيِّنة...أو أنْ يُفصَل بين الحق و الباطل...أو هو خطاب لا يكون فيه اختصار مُخِلّ ، و لا إسهاب مُمِلّ...و الخطاب المفتوح : خطاب يُوجَّه إلى بعض أولي الأمر علانية ).5
أما فيما يخص دلالات المفهوم في الثرات العربي ، فيذهب أبو البقاء الكفوي في كتابه "الكلّيات" إلى كون الخطاب (هو الكلام الذي يُقصد به الإفهام ، إفهام من هو أهل للفهم ، و الكلام الذي لا يُقصد به إفهام المستمع فإنّه لا يسمى خطابا ) .6 و هو نفس ما يذهب إليه الآمدي في "الإحكام" حيث يعرِّف الخطاب بكونه (اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيِّئ لفهمه) .7 كما يضيف التهانوي في "كشّاف اصطلاحات الفنون"، و في معرض حديثه عن نفس المفهوم : (و قد يُعَبَّرُ عنه (أي الخطاب) بما يقع به التخاطب) .8
أما من ناحية صيغة لفظ "الخطاب" ، فهو (أحد مَصْدَرَيْ فعل خاطب يخاطب خطاباً ، و مُخاطَبَةً ، و هو يدل على توجيه الكلام لمن يفهم) .9 و يبقى الكلام و الخطاب ، و التكلّم ، و التخاطب ، و النطق واحد في حقيقة اللغة ، و هو ما يصير به الحيّ متكلِّما حسب الجويني في "الكافية" .10
و يبقى هذا جزء قليل فقط مما ورد في الثرات العربي بصدد الحديث عن مفهوم الخطاب ، أما استقصاء البحث في التعاريف المقدَّمة له فقد يحيلنا على عديد التحديدات التي يصعب حصرها ، ممّا يعتبر خيرَ دليل على أنّ الثرات العربي لم يُهملْ هذا المفهوم ، و أنه قد تحسّس فعلا أهمية الخطاب و الدور التداولي الذي يعتبر أهم شروطه .

4-2) دلالة مفهوم "الخطاب" لدى الغربيين :

أما بالنظر إلى دلالة "الخطاب" لدى الغرب ، و في مجال الدراسات الغربية الحديثة تحديداً ، فقد لعبت اللسانيات و الاتجاهات البنيوية منها على وجه الخصوص دوراً كبيرا في تحديد مفهوم "الخطاب" ؛ إذ نجد هاريس و هو أول دارس لساني حاول توسيع مجال البحث اللساني بجعله يتعدّى دراسة الجملة إلى دراسة الخطاب ، فنجده يعتبر الخطاب (عبارة عن ملفوظ طويل ، و هو متتالية من الجمل تكوِّن مجموعات منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر ، بواسطة المنهجية التوزيعية ، و بشكل يجعلنا في مجال لساني محض) .11
كما يقدِّم أصحاب "معجم اللسانيات" ثلاث تحديدات للخطاب ؛ فهو أولا يعني اللغة ، و يعني ثانيا وحدة توازي أو تفوق الجملة ، و يتكوَّن من متتالية لها بداية و نهاية ، و هو هنا مرادف للملفوظ ، أما التحديد الثالث فيتجلى في استعمال الخطاب لكل ملفوظ يتعدَّى الجملة منظورٌ إليه من وِجهة قواعد تَسَلْسُلِ مُتتاليات الجمل.12
هذا و تتعدّد التحديدات التي وُضعت للخطاب في الدراسات الغربيةالحديثة ، خاصّة مع استحضار الكمّ الهائل من التعاريف الصّادرة عن النُّقّاد ، و التي تميّزها سمات التكامل حينا ، فيما تطبعها مواصفات التنافر أحيانا أخرى ؛ إذ نجد في معجم كريماص و كورتيس الذي يعتبر الخطاب مقابلا للنصّ أنّ "مفهوم الخطاب يتحدّد كَكُلّية من العلاقات و الوحدات و العمليات...المُتموضعة في المحور التركيبي للغة ، و الخطاب إجراء سيميوطيقي يتمظهر كمجموعة من المُمارسات الخطابية ، فهو تطبيق لساني (ذو خصائص لسانية لفظية) و تطبيق غير لساني (ذو خصائص دالة تتمظهر كأصوات و حركات) .13

فالخطاب من كل ما سبق لا يبقى مجرد منظومة من الكلمات و الجمل المتتالية التي تتكامل في بناء نص معين، بل يتعدّى ذلك ليكون عملة واحدة ذات وجهين متلازمين و متكاملين ، الأول يتحدّد في كونه نظام من العلامات و الرموز؛ أي أنه يهتم بجانب اللغة الموظَّفة ، و طبيعتها و تراكيبها ، فيما يتبلور الوجه الثاني من خلال حقيقة كون الخطاب يتضمّن محتوى ؛ أي مجموعة من المضامين و الأفكار و الأحاسيس ، فهو رسالة من الباث (المرسل) إلى المتلقي (المستقبِل) يهدف إلى تحقيق التأثير من وجهة نظر تواصلية .
5)لمحة موجزة عن حياة طه حسين:
يعتبر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من أبرز الشخصيات التي مرّت بالسّاحة الأدبية العربية ؛ وذلك لما قدمه من أعمال متميزة في الفكر العربي عموما ، و الفكر النقدي و الروائي منه على وجه الخصوص .
و قد ساهمت عدة عوامل ثقافية و اجتماعية و سياسية و اقتصادية في تكوين شخصية طه حسين الأديب ، بدْءاً بميلاده في صعيد مصر سنة 1889م ، و فقده بصره و هو طفل صغير لا يتجاوز الثلاث سنوات ، ليدفع به والده إلى الكُتّاب لحفظ القرآن الكريم ، فكان أن حقّق ذلك و هو في نهاية عقده الأول . بعدها سافر مع أخيه إلى القاهرة ليتلقى العلم بالأزهر فاستهوته دروس الأدب ، و تتلمذ وقتها على يد الإمام محمد عبدو، ليظهر تمرّده على معظم شيوخ الأزهر الاتِّباعيين سنة 1908م ، و ينتهي به الحال بطرده من الأزهر بسبب انتقاداته الشديدة ، لكنه عاد إليه فيما بعد بوساطة أحد كبار الشيوخ .التحق بعدها بالجامعة المصرية و سمع دروس أحمد زكي باشا و كمال باشا في الحضارات الإسلامية و المصرية ، و دروس في الجغرافية و التاريخ و الفلك و الأدب والفلسفة ؛ و من هنا بدأت مرحلة جديدة في حياته في تثقيف النفس و تحديد الهدف ، لينال شهادة الدكتوراه في موضوع عن أبي العلاء المعري سنة 1914م ، و بعدها انتقل صوب المدرسة الفرنسية في بعثة طلابية ليحصل منها على درجة دكتوراه ثانية عام 1919م عقب إعداده رسالة على يد عالم الاجتماع إميل دوركهايم ، و كانت في موضوع "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون". وحال عودته إلى مصر أثار طه حسين ضجة حول موضوع الشعر الجاهلي بالتشكيك فيه ، عُيِّن عميدا لكلية الآداب ، فوزيرا للمعارف المصرية على عهد الخديوي ، كما صار رئيسا للجنة النشر في المجلس الأعلى للفنون والآداب ، و قد نال جائزة الدولة عن كتابه "على هامش السيرة" .14 وافته المنية في الثامن و العشرين من أكتوبر لسنة 1973م ، بعدما عاش 84 سنة رحمه الله تعالى ، مُخلّفا وراءه إنتاجات أدبية ضخمة و متنوعة من أبرزها كتابه "في الشعر الجاهلي" و"من الأدب التمثيلي اليوناني" ، "ذكرى أبي العلاء" و"صوت أبي العلاء" ، "حديث الأربعاء" ، كذلك من روائع إنتاجاته الروائية "الأيام" و"المعذبون في الأرض" ،"على هامش السيرة" ، بالإضافة لمؤلف "أديب"موضوع هذه الدراسة و غيره من الأعمال التي تشكل عن الحصر .
7)التعريف بمؤلَّف "أديب" :
يمثل مؤلف "أديب" لطه حسين واحدا من أهم الأعمال التي برزت في الساحة الروائية العربية ؛ نظرا لتميزه في رسم معالم اتجاه جديد في المسار الروائي ، فهو يندرج ضمن السيرة الأدبية ، أو ضمن الخطاب الأوطبيوغرافي ؛ و يعني هذا أن "أديب" سيرة أدبية فنية ، و لكنها ترجمة غيرية يتولى الكاتب من خلالها ترجمة الحياة الشخصية لصديق له يمارس حرفة الأدب و يعيش بها انتشاءً و افتناناً ، و لكن هذه السيرة يتداخل فيها ما هو ذاتي و ما هو غيري ، أي أن النص سيرة للذات الكاتبة ، و هو حاضر بأسلوبه و ضميره و تعليقاته ، و كل المؤشرات التلفُّظية التي تحيل عليه ، كما ترصد هذه الذات الكاتبة حياة صديقه الأديب من زاويته الشخصية ، و عبر الكتابات التي كان يرسلها إليه صديقه في شكل رسائل و خطابات ومذكرات .


الفصل الثاني :
دراسة استراتيجيات طه حسين في رواية "أديب"


تمهيــــد
لقد غَدَتْ قضية الاستراتيجيات في الخطاب مقتحمة لعوالم الإنتاجات الفكرية و النصوص بشتى أنواعها و تصنيفاتها بما في ذلك الشفوية منها، و المتمثلة في الحوارات و المطارحات الفكرية،و كذا المناظرات العلمية و السياسية، بل و حتى في تلك الخطابات التلفظية المتمثلة في بعض مظاهر الحياة اليومية من قبيل المعاملات التجارية (في الأسواق مثلا)، و لقاءات التعارف بين الأشخاص، و غير ذلك من أوجه الاستعمال اللغوي بين المتخاطبين.
و لعل النص الروائي باعتباره واحدا من أرقى النصوص الإبداعية لا ينفكّ أن يكون خاضعا في أصل وضعه و أسس بنائه لاستراتيجيات معينة تستحق أن تُدرَس و تُكشَف مختلف الحيثيات و العناصر المتحكمة في عملية اختيارها و بناء الخطاب على أنقاضها.
و سعيا نحو استخراج الاستراتيجيات التي ينبني عليها الخطاب الروائي عند الدكتور طه حسين، و في مؤلَّفه "أديب" موضوع دراستنا على وجه الخصوص، سنسعى جاهدين-بمشيئة الله-إلى الإلمام بأبرز العناصر التي ينبني عليها خطاب الرواية التي بين أيدينا، مع بيان الظروف السياقية المتحكّمة في عملية اختيار هذه الاستراتيجيات التي لا يكاد يخلو منها أي عمل إبداعي كيفما كان، فضلا عن إنتاجات هرم من أهرام الرواية العربية من قيمة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.و ننطلق أولا من وقفة على خطاب "أديب" قصد تفكيكه إلى أبرز العناصر التي يتشكل منها، و تَبَيُّنِ المقاصد الأساسية التي تكمن من وراء إنتاج الخطاب نفسه و تتحكم في كيفية وضعه، ليتسنى لنا بعدها إدراك استراتيجيات صاحبنا في توجيه خطابه للمتلقي و القارئ بشكل عام،علما أنّ أسلوب طه حسين في إنتاجاته الروائية يستهوي شرائح عريضة من متتبعي الخطاب الروائي العربي، و يُشهَد له بالدِّقّة اللغوية و السلاسة في التعبير، ناهيك عن الحمولات الدلالية العميقة التي يختزلها القالب الروائي لمؤلَّفاته المُحمَّلة بأسمى العواطف الإنسانية و المُفْصِحَةِ عن دفقة شعورية لا حصر لها.


1)وقفة على خطاب الرواية و مرتكزاته:
تمثل الرواية في مجملها خطاب موجه لتحقيق غايات و مقاصد محدّدة ، و هذا الخطاب تجسّد في أسلوب أدبي يستند إلى تقنيات التعبير الوصفي و السردي الذي يطبع أشكال الرواية السيرية غالبا ، ولعل الوقوف على مميزات خطاب طه حسين الروائي هذا يجعلنا نتبين أهم المرتكزات و العناصرالتي يقوم عليها و تؤثث فضاءاته ، و نجملها فيما يلي :
1-1)المرسل:
يعتبر المرسل هو الحلقة الرئيسة في كل فعل تواصلي خطابي ، إذ من دونه تنعدم مواصفات الفعل التخاطبي . و يبقى طه حسين هو الممثل الفعلي لشخص المرسل في خطاب "أديب" نظرا لكونه هو كاتب الرواية و من رسم خارطة سير أحداثها بالرغم من تنوع الأحداث الصادرة عنه في صيغة المتكلم تارة و الغائب تارة أخرى ، و كذا تلك الصادرة عن شخصية "الأديب" الذي تتمحور حوله وقائع الفعل السردي في الرواية ، لأن الكاتب يبقى هو الموجه الفعلي لها بغية تحقيق أهداف و مرامي متباينة و هو الناقل الفعلي لتلك الأحداث أيضا .
1-2)المرسل إليه:
يحتل شخص المرسل إليه مكانة مركزية في كل خطاب موجه إضافة إلى شخص المرسل باعتبارهما قطبي العملية التخاطبية ، و يسنَد هذا الدور في الرواية التي بين أيدينا لشخص "أديب" الذي استقي منه عنوان العمل بأكمله . إذ يبقى وصف"أديب" الذي صيغ به عنوان الرواية دلالة على صديق الكاتب الذي رافقه في سنوات الدراسة الجامعية سواءً في مصر أو بعد ذهابهما لفرنسا ضمن البعثات الطلابية التي أسلتها الحكومة المصرية لاستكمال الدراسة بالجامعة الفرنسية . كما يبقى القارئ لهذا المنتوج الروائي المتجسد في شكل خطاب موجه بغية تحقيق أهداف معينة أيضا في موضع مرسل إليه أو متلقي بشكل عام .
1-3)- السياق:
قبل العرض لتحديد سياق هذا العمل الإبداعي المتمثل في شكل خطاب أدبي روائي للكاتب و الناقد المصري الكبير الدكتور طه حسين يلزمنا أولا الوقوف على دلالة مفهوم "السياق".
أ-دلالة مفهوم السياق:
يحيل مفهوم "السياق" معجميا إلى تلك الأجزاء من الخطاب التي تحف بالكلمة في المقطع و تساعد في الكشف عن معناها.15
كما يطلق أحيانا على مجموع الظروف التي تحف حدوث فعل التلفظ.16
و مفهوم السياق عند تمام حسان يدل على الممارسة المتصلة للفعل اللغوي الذي يتجاوز مجرد التلفظ بالخطاب ، بدءاً من لحظة إعمال الذهن للتفكير في إنتاجه ، بما يضمن تحقيق مناسبته التداولية .17
و يبقى السياق دلالة على الإطار العام الذي يسهم في ترجيح أدوات بعينها ، و اختيار آليات مناسبة لعملية الإفهام و الفهم بين طرفي الخطاب ، و ذلك من خلال عدد من العناصر من قبيل العلاقة بين المتخاطبين و كذا الظروف الزمانية و المكانية للفعل التلفظي .18
ب-تحديد سياق خطاب رواية "أديب":
تتداخل مجموعة عناصر محدَّدة في تشكيل سياق خطاب طه حسين في هاته الرواية ، و لعل من أبرزها طبيعة العلاقة التي تربط بينه كمرسل و بين شخص "أديب" كمرسل إليه أو كمتلقي و شخص القارئ بعد ذلك بشكل عام ، مع العلم أن عنوان الرواية الذي صِيغَ بوصف "أديب" ما هو إلا دلالة على صديقه الحميم الذي شاركه فترات من حياته بحُلوها و مُرِّها فأَبَا طه حسين إلا أن يهديه هذا العمل الروائي المتميز كعُربون محبة و إخلاص لما يربط بينهما من وشائج الصداقة و الإخاء ، و من ثمة فيمكن الحكم على طبيعة هذه العلاقة بالإيجابية ما دامت تتجسد في كون الكاتب يخاطب صديقه حينا و يحكي عنه أحيانا أخرى بكل ما تبادر له من تصرفاته و حركاته و سكناته ، حتى ليبدو للقارئ أن الشخصيتين المحوريتين في هذا العمل قد بلغا درجة التطابق في كثير من اللحظات.
و لعل من أبزر عناصر السياق أيضا نجد زمان و مكان خطاب الرواية ، و في هذا نسجل تعدّد الأزمنة و الأمكنة تبعا لتعدّد المواقف و الأحداث التي يحكي عنها طه حسين بين حاضرٍ راهنٍ ، و ماضٍ منصرمٍ و مستقبلٍ آتٍ ، و تتحكم في ذلك طبيعة الفعل الوصفي و السردي الذي يغلب على أسلوب خطاب الرواية و الذي يتماشى مع الأحداث تباعاً ، تماما كما نجد المكان الذي تجري فيه أحداثها يتنوع بين فضاءات متعدِّدة من قبيل الجامعة و المدرّج تحديدا ، ثم البيت و حتى الشارع حيناً ، إذ يقول Sadو قطعت بنا العربة أحياءً مختلفة، و مضت بنا في أجواء متباينة، و كنت أحس اختلاف الأحياء ، و تباين الأجواء فيما يصل إلي من أصوات الناس و حركاتهم ومن اضطراب الأشياء من حولنا، كما كنت أحس ذلك في سير العربة نفسها و في لهجة السائق و هو يدفع الناس أمامه و يطلب إليهم أن يتنحوا له عن الطريق أو أن يجنبوا أنفسهم خيله وعربته).19
و لكن الفضاء العام الذي يطبع سير أحداث الرواية يبقى موزّعا بين فرنسا و مصر، أو لنقل القاهرة و باريس تحديدا بحكم الفترة التي قضاها طه حسين مع صديقه في رحاب الجامعتين المصرية و الفرنسية و التي غلبت بأحداثها على طابع و مسار الرواية .
1-4)المقاصد:
يتوخى المرسل دوما من خلال خطابه أهدافا و مقاصد محدّدة و متنوعة تبعا لتنوع الظروف السياقية المحيطة بالعملية التخاطبية ، و هو في ذلك يتبع خططا معينة يرى كونها كفيلة بتبليغه قصده من وراء توجيه الخطاب نفسه للمتلقي ، و يتبين من خلال خطاب "أديب" لطه حسين أن المقصد الأول من وراء كتابة هذا العمل مبين في عتبة الإهداء ، وهو الوفاء لذكرى الصداقة حيث يهدي عمله إلى أعز صديق لديه (أديب) والذي كان بجانبه يواسيه عندما طرد من الجامعة ظلما، وكان أيضا من المهنئين الأوائل عندما أعيد المؤلف إلى الجامعة ليستكمل التدريس فيها . لذلك فالإهداء المثبت في أول الكتاب هو إهداء الصداقة والأخوة وميثاق الوفاء والإخلاص بين المهدي والمهدى إليه . ويرد الإهداء هنا في شكل نص مقطعي تحية للمهدى إليه مليئة بالصدق والمحبة والإخاء والإخلاص ، و ليتبين ذلك نتأمل في قوله ((("أخي العزيز. وددت لو أسميك و لكنك تعلم لماذا لا أسميك ، و حسب الذين ينظرون في هذا الكتاب أن يعلموا أنك كنت أول المعزِّين لي حين أخرجني الجور من الجامعة ، و أول المهنِّئين لي حين ردني العدل إليها. و كنت بين ذلك أصدق الناس لي ودا في السر و الجهر وأحسنهم عندي بلاءً في الشدة و اللين . فتقبّلْ مني هذا العمل الضئيل تحية خالصة صادقة لإخائك الصادق الخالص..."))).20
إلا أن المتمعّن في خبايا الخطاب الروائي لطه حسين في هذا المؤلف ، و الظروف التي أحاطت بإنتاجه يدرك وجود رهانات أخرى يصبو المؤلف لتحقيقها من خلال المتن الروائي ل"أديب" ، و ذلك من خلال قصده إلى الكشف عن كون الكثير من المثقفين العرب في بداية القرن العشرين انبهروا كثيرا بحضارة الغرب وانساقوا وراء نزواتهم وكانت رؤيتهم بالتالي للغرب على أنه رمز للحرية والعلم والتقدم والإشباع الغريزي لكل المكبوتات الدفينة ، وهذا ما عبرت عنه الكثير من الروايات العربية كرواية "الحي اللاتينى" لسهيل إدريس و"موسم الهجرة للشمال" للطيب صالح و"عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم و"الأيام" لطه حسين و"قنديل أم هاشم" ليحيى حقي . ومن ثم ، تصور هذه الرواية ذلك الصراع الحضاري بين الشرق والغرب ، والتقابل بين عالم الكبت وعالم التحرر، وبين عالم التخلف وعالم التقدم ، وبين الانحطاط الحضاري والرقي المدني . لذلك كان ينظر الأديب إلى مصر وزوجته حميدة بنظرة تغاير نظرته إلى عشيقته فرنند وفرنسا. إذاً ، هناك جدلية وتفاوت بين هذين الفضاءين حتى إن الأديب لم يرتض العودة إلى بلده لما قامت الحرب على فرنسا ، وكان يتمنى الدفاع عن هذا البلد في وجه النازية ؛ لأن هذا البلد يقترن في ذاكرته بالحب والحرية والإشباع الشبقي، أما بلده فيقترن بالكبت والحرمان وصعوبة المسؤولية .
فالواضح من هذا كله أن للكاتب مقصد مباشر يتمثل في مواساة صديقه و التخفيف عنه اعترافا بفضله واستحضارا لقيمة الروابط المتينة التي تجمعهما، و المتمثلة في تلك العلاقة الحميمية التي ألفت بينهما لفترات طويلة . و مقصد غير مباشر ينحو في اتجاه تصحيح معتقدات كثير من المثقفين العرب الذين جعلوا الغرب وجهةً صوب أعينهم و حقّروا من قيمة أوطانهم فلم يضعوا في الحسبان ما قد تؤول إليه أوضاع المندفعين منهم بهذه الشهوات الغريزية المنحرفة ، و التي تنطلق من أسس و مرتكزات مغلوطة سعى الكاتب إلى الكشف عنها في قالب روائي متناهي الدقة و محكم البناء .
2)الاستراتيجيات الموظفة لتحقيق مقاصد خطاب"أديب":

مما لا شك فيه أن توجه المرسل نحو تحقيق مقاصد معينة من وراء خطابه يحتم عليه بناءَه وفق خطط و استراتيجيات معينة تخدم الغرض من توجيهه ، و مع تبيُّنِنا لأهم المقاصد التي يرومها خطاب "أديب" لطه حسين و إلمامنا بالعناصر و الظروف السياقية المحيطة بالفعل التخاطبي في الرواية، يبقى أن نحاول تلمّس أهم الاستراتيجيات التي وظفها سعيا وراء تحقيق أهدافه و مراميه.
لعل أبرز الاستراتيجيات التي تتضح من خلال خطاب رواية "أديب"،و تبعا لمقاصد طه حسين من وراء صياغة وتوجيه هذا الخطاب تنتظم على الشكل الآتي :
2-1)الاستراتيجية التلميحية :
يتضح لنا توظيف هذه الاستراتيجة انطلاقا من أول عتبات هذا النص الروائي و هو العنوان ؛ إذ صيغ عنوان المؤلف من كلمة واحدة هي خبر لمبتدإً محذوف تقديره (هذا أديب) ، و هنا شكل من أشكال التلميح على اعتبار أن طه حسين لم يرغب في ذكر اسم صديقه فعمد إلى الإشارة إليه بوصف "أديب" كناية عن الشخص المقصود ، فيلمح لنا منذ الوهلة الأولى إلى أن صاحبه هذا ليس شخصا عاديا كأي شخص ، بل هو صديق من نوع خاص ، إنه من صنف الأدباء و المثقفين الذين يكرّسون حياتهم لطلب العلم و تحصيل المعرفة ، و ذلك ما يفصح عنه الكاتب في المتن الروائي بعد كل هذا ، و تتعدد مظاهر استخدام الاستراتيجية التلميحية في مواضع شتى داخل المؤلف ، خاصة في سياقات الحوار الذي يدور بين الكاتب و صديقه الأديب أحيانا ، و الذي يحمل في طياته أبعادا و دلالات كثيرة ، و لا يخلو من التلميح في بعض المواضع نظرا لطبيعة الرجلين اللذين يشتركان في خصائص متعددة أبرزها امتلاك مواصفات الأديب في شخص كلاهما ، و من الأمثلة على ذلك جواب الكاتب عن سؤال الأديب (...ألست ترى في هذا النحو من التفكير و الفهم و الحكم عوجا و التواء ؟) ، بأن قال Sad...و قد يخيل إلي أن في مواجهتك لهذا الشر الذي لم تعرفه و لم تدفع إليه بعد و في تأهبك له ، شيئا من الخروج عن هذا الحياء الذي لا ينبغي للرجل المتحضر المثقف أن يبرأ منه).21
فالمقصود من وراء عبارة الكاتب هاته لصاحبه هو أنه لا يليق به كشخص مثقف و أديب أن يكون وقحا و متجردا من مواصفات الحياء . و هو ما أدركه الأديب فرد عليه قائلا Sadفأنت تريد أن تقول إني وقح أمام نفسي ، فليس غريبا أن أكون وقحا أمام الناس !).22
2-2)الاستراتيجية التضامنية:
و تطغى هذه الاستراتيجية على طابع خطاب هذا العمل الروائي نظرا لخصوصياته و طبيعة العلاقات الرابطة بين الأطراف المجسّدة له ، و لعله مما يبرر التوجه نحو توظيفها في هذا النوع من الخطاب كون الطرفين هنا يتموضعان في موضع الأقران و يجمع بينهما نوع من الألفة مما يقصي الفوارق و يسهل الطريق نحو إعادة العلاقة الحميمية بينهما أو الحفاظ عليها . و يتضح هذا الاختيار من خلال استعمال لفظ المهنة مثلا (أديب) بدلا من اسم الصديق الذي يوجه إليه الخطاب ، و كذلك إيراد عبارة (أخي العزيز) في مطلع الإهداء الذي افتتح به خطاب الرواية ، إضافة إلى الميل لاستعمال الإشاريات و ذكر المعلومات الشخصية في عديد المواضع داخل المؤلف . و منها قول الكاتب : (و هو على الرغم من هذا كله كان أحب الناس إلي ، و أكرمهم علي ، و آثرهم عندي ، و أحسنهم مسلكا في نفسي ، و منزلا من قلبي . و كان يزورني فأنصرف إليه عن كل شيء و أقضي معه الساعات ، فإذا تركني خيل إلي أني لم أقض معه إلا اللحظات القصار).23

2-3)الاستراتيجية الإقناعية :
تتجسد هاته الاستراتيجية أكثر من خلال ما يرويه الكاتب طه حسين من أوجه الحوار الذي يدور بينه و بين صديقه الأديب في كثير الأحيان داخل متن المؤلف ، و الذي يكون ذا صبغة حجاجية غالبا حيث يسعى من خلاله كل منهما إلى إقناع الآخر بوجهة نظره حول قضية معينة ، و من ذلك قول الكاتب مخاطبا صديقه Sadقل ما شئت و اعجب بالشعر ما أحببت و احفظ من وقوف الشعراء على الأطلال و بكائهم على الديار و ذكرهم للظاعنين ما استطعت أن تحفظ ، فسيظل هذا كله في نفسك كلاما أجوف لا يحتوي شيئا و لا يدل على شيء ، حتى تقف موقفا كالذي وقفته منذ حين بين هذه الأطلال عن يمين و شمال ، و حتى تذكر ما ذكرت من هذه الحياة القوية الغنية الخصبة التي كانت تملؤها الحركة و النشاط....فذهبت هباء و تفرقت في الأرض ، و لم يبق منها في هذا المكان إلا صدى لا يحسه الناس جميعا،و لا يقدرون وجوده، و إنما يحسه مثلك و مثلي...).24
هذا و تتعدد الاستراتيجيات التي يوظفها طه حسين في هذا النص الروائي المتميز، و لكن يبقى غاية في الصعوبة أن نلم بها جميعها ، بالنظر لغنى هذا النص من الناحية الدلالية و تمثله لمواقف مختلفة يطبعها التفاعل بين الأشخاص حينا ، و الحوار النفسي في أحيان أخرى ، بما يجعل معه سبل اختيار الاستراتيجيات تتعدد ، و تتولد منها تبعا لذلك أنواع مختلفة و متباينة منها .


خلاصــــة

من كل ما تعرّضت له في سعيي نحو ملامسة جوانب هذا النص الروائي للكاتب و الناقد المصري الكبير الدكتور طه حسين قصد إدراك الاستراتيجيات التي ينبني عليها خطابه الروائي ، خلصت إلى مجموعة نقاط أساسية لعل من أبرزها :
*إن مسألة الاستراتيجيات في الخطاب لا تقتصر على نوع محدد من هذا الخطاب، بل تشمل كافة أصناف الخطابات المبثوثة في شتى مظاهر التفاعل ومنتجات التفكير و الإبداع الإنساني ،بما في ذلك خطاب الرواية التي تُجسد لأحد أرقى الفنون الأدبية .
*الخطاب الروائي هو الآخر يستجيب لظروف السياق و أحول المخاطَب أو المتخاطِبين بشكل عام ، و يأتي مستجيبا لأهداف و مقاصد معينة تتحكم في خطط وضعه و توجيهه .
*يستند الدكتور طه حسين في خطابه الروائي لاستراتيجيات متعددة بالنظر للحمولات الدلالية التي يأتي هذا الخطاب مُحَمَّلاً بها ، و هو أمر معروف عن عميد الأدب العربي في كافة إنتاجاته الروائية ال
متميزة .

[color:8d95=red]الهـــــــــــوامش
1)-عبد الهادي بن ظافر الشهري.استراتيجيات الخطاب:مقاربة لغوية تداولية.درار الكتاب الجيديد المتحدة.بيروت-لبنان.ط1.سنة 2004.ص52-53
2)-ابن منظور الإفريقي.لسان العرب.طبعة دار صادر.1994.مادة (نصص).
3)-محمد الأخضر الصبيحي.مدخل إلى علم النص و مجالات تطبيقه.طبعة الدار العربية للعلوم،بيروت.منشورات الاختلاف.ط1.سنة 2008.ص22.
4)-ابن منظور الإفريقي.لسان العرب.مادة (خطب) .
5)-مجمع اللغة العربية.المعجم الوسيط.الإدارة العامة لإحياء الثرات 1425هـ/2004م.مادة(خطب).ص266.
6)-أبو البقاء الكفوي."الكليات"معجم في المصطلحات و الفروق اللغوية.تح عدنان درويش.ط1.بيروت.1412هـ/1992م.
7)-علي بن محمد الآمدي.الإحكام في أصول الأحكام.تح سيد الجميلي.دار الكتاب العربي بيروت.ط2.سنة 1406هـ/1986م.ج1.ص136.
Cool-محمد بن علي التهانوي.كشاف اصطلاحات الفنون.دار الكتب العلمية.بيروت.ط1.سنة1418هـ/1998م.المجلد الثاني.ص5.
9)-إدريس حمّادي.الخطاب الشرعي و طرق استثماره.المركز الثقافي العربي.الدار البيضاء.ط1.سنة1994.ص21.
10)-الجويني.الكافية في الجدل.تح الدكتورة فوقية حسين محمد.مطبعة عيسى البابي الحلبي-القاهرة.1399هـ/1979م.ص32.
11)-نقلا عن سعيد يقطين في "تحليل الخطاب الروائي".طبعة المركز الثقافي العربي.1988.ص17.
12)-نفسه.ص18.
13)- Dictionnaire résumé de la théorie de language.Hachette université.1979.p102
14)-ابن عباس و مصطفى رسام.تراجم الشعراء و الأدباء و الخلفاء الراشدين.مطبعة النجاح الجديدة.الدار البيضاء.1420هـ/1999م.ص163بتصرف.
15)-عبد الهادي بن ظافر الشهري.استراتيجيات الخطاب :مقاربة لغوية تداولية.ص40.نقلا عن
Clark,Herbert H:Arenasof language use,Ibid,P60
16)-عبد الهادي بن ظافر الشهري.نفسه.نقلا عن
Ozwald Ducrot and Tzvetan Todorov:Encyclopedic dictionary of the science of language,P333
17)-عبد الهادي بن ظافر الشهري.نفسه ص41.نقلا عن تمام حسان في "الأصول".
18)-من مقدمة كتاب عبد الهادي بن ظافر الشهري."استراتيجيات الخطاب".بتصرف.
19)-طه حسين.رواية "أديب".ص10.
20)-نفسه.ص2.
21)-طه حسين.رواية "أديب".ص79-80.
22)نفسه.ص80.
23)-طه حسين.رواية"أديب".ص7.
2
4)-نفسه.ص50.


[color=darkred] تم بعون الله[/color]


مصباح العلم و تاج صحة العقل و الجسد أدامهما الله على كل مسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير العام
المــدير العام منشئ المنتدى
المــدير العام         منشئ المنتدى


عدد المساهمات: 1009
نقاط: 2828
تاريخ التسجيل: 30/11/2011
العمر: 2
الموقع: http://albahito.alafdal.net

مُساهمةموضوع: رد: بحث في موضوع:استراتيجيات النص الروائي عند طه حسين :مُؤلَّف "أديب" أنموذجاً   السبت مايو 26, 2012 6:54 pm



ما أحوجنا إلى شباب حملوا على عاتقهم مسؤولية رعاية الرسالة وتبليغها إلى مستحقيها من صناديد الأجيال القادمة. حملة العلم ومشكاته المنيرة أولئك الذي أرقوا الليل وحرموا جفونهم من الغمض
ما عساني أقول لك أخي سعيد جزاك الله عنا خيرا ونفعنا بعملك هذا وبلغك به وما تصبو إليه من الرفعة والتألق




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://albahito.alafdal.net
said idrissi
المشرف العام
المشرف العام



عدد المساهمات: 31
نقاط: 86
تاريخ التسجيل: 13/12/2011
العمر: 24
الموقع: تطوان/أرفود

مُساهمةموضوع: رد: بحث في موضوع:استراتيجيات النص الروائي عند طه حسين :مُؤلَّف "أديب" أنموذجاً   الإثنين يونيو 11, 2012 12:44 am

1

عــزيــزي حسن لك منـــــي كـــــل الــــشــــكر و الــــتقديـــــــر أيـــــضا على كــــل مـــا تبــــذلــــه من جـــهود جــبارة للتوجــــه بمـــنتـــــدانا نحــــــو الـــــقمة.
دعواتــــــــي لـــك بالتـــــوفـــــيق و الـــسداد إن شــــاء الــــله تعـ
ـــــــالى.


1


مصباح العلم و تاج صحة العقل و الجسد أدامهما الله على كل مسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

بحث في موضوع:استراتيجيات النص الروائي عند طه حسين :مُؤلَّف "أديب" أنموذجاً

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» موضوع تعبير عن الرياضة واهمية الرياضة فى حياتنا اليومية - موضوع تعبير عن الرياضة لجميع الطلبة والطالبات 2013
» احمد حسين العمرابي - ملف تعريفي
» عشان القاك حسين الصادق
» وثائق : مراسلات حسين مكماهون وثائق صادرة في الفترة بين 1895-1916
» موضوع عن الوطن

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مــنــتـديات البــــــاحــث الأفـضــــــل  ::  :: -
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع