مــنــتـديات البــــــاحــث الأفـضــــــل
مرحبا بك زائرنا الكريم في منتدياتك "الباحث الأفضل". ندعـــــوك للتسجيل والانضمام لأسرة "الباحث الأفضل" والمساهمة بآرائك. فحضورك دعم لنا وقيمة مضافة لمنتدياتنا.



 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  
إعلاناتكم هنا
المواضيع الأخيرة
» ديوان امرئ القيس
الثلاثاء أبريل 28, 2015 2:49 pm من طرف عبدالجبار

» alwasila lkobra
الثلاثاء يناير 20, 2015 2:52 pm من طرف زائر

» إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
الجمعة فبراير 28, 2014 10:07 am من طرف ابراهيم عثمان

» نــــورســــيـــدنا رســــول الله
الأربعاء فبراير 26, 2014 9:29 pm من طرف ابراهيم عثمان

» فضل الصلاة على حضرة سيدنا رسول الله
الثلاثاء فبراير 25, 2014 9:29 pm من طرف ابراهيم عثمان

» بشائر المحبين
الأحد فبراير 23, 2014 9:15 pm من طرف ابراهيم عثمان

» الاعجاز العلمى لسماع القرأن الكريم
الخميس فبراير 20, 2014 10:38 am من طرف ابراهيم عثمان

» الصدقة
السبت فبراير 15, 2014 8:50 pm من طرف ابراهيم عثمان

» الصيام المسنون
الأربعاء فبراير 12, 2014 10:51 pm من طرف ابراهيم عثمان

» لغة وفصاحته صلى الله علسة وسلم
الجمعة فبراير 07, 2014 9:45 pm من طرف ابراهيم عثمان

» نصائح لاجتياز الامتحان
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:57 pm من طرف مصطفى نبوي

» المراجعة الفعالة
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:55 pm من طرف مصطفى نبوي

» الأيام الوطنية والعربية والدولية
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:45 pm من طرف مصطفى نبوي

» النظام الداخلي للمؤسسة
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:43 pm من طرف مصطفى نبوي

» ورقة تعريفية ببعض القواعد الإملائية
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:41 pm من طرف مصطفى نبوي

» ميثاق الفصل الدراسي
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:39 pm من طرف مصطفى نبوي

» الأولى باك علوم دروس+تمارين(تتمة)+ملخصات ذ.محمد شركي:مفتش اللغة العربية+الإمتحان الجهوي مع التصحيح (منقو)
السبت مايو 18, 2013 4:08 pm من طرف المدير العام

» تواريخ مباريات ولوج المراكز الجهوية للتربية و التكوين للموسم 2013/2014
السبت مايو 18, 2013 3:46 pm من طرف المدير العام

» مجموعة قصائد رائعة لمحمود درويش
الإثنين مايو 13, 2013 6:34 am من طرف المدير العام

» عاجل :النقابات التعليمية بزاكورة تدين الاقتطاعات من اجور الشغيلة و تدعو الشغيلة التعليمية الى سحب ارصدتها من البنوك جماعيا و تدعو الفروع النقابية الى الوحدة و التنسيق و تقرر خوض اضراب لمدة 48 ساعة ايام 15 و 16 ماي 2013
الأحد مايو 12, 2013 10:17 am من طرف المدير العام



شاطر | 
 

 واقع اللغة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المــدير العام منشئ المنتدى
المــدير العام         منشئ المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 1009
نقاط : 2828
تاريخ التسجيل : 29/11/2011
العمر : 7
الموقع : http://albahito.alafdal.net

مُساهمةموضوع: واقع اللغة   الثلاثاء مارس 13, 2012 2:54 pm

واقع اللغة




بسم الله الرحمن الرحيم
مقتضات تدهور اللغة
الدافع إلى كتابة هذه الكلمات والاهتمام بهذا الموضوع هو ما نشهده من ضعف
قد أمسك بتلابيب اللغة العربية من كل الجوانب فصارت تعاني من الضعف والتردي
ما الحال يغني فيه عن المقال. ولم يكن الوازع لنا في هذه الغاية هو التعصب
للعروبة أو للعربية، وإنما ما نراه من هجمات شرسة تسعى إلى قطع دابر الأمة
تحت ضغط سامفونية الحداثة والعولمة والتطور. أما اللغة، بالنسبة لنا، ما
هي إلا مجرد مرْكَب نبلغ به غايتنا واللغة العربية وسيلة لنقل رسالة الحياة
الجديدة(رسالة الإسلام) إلى كل مصر من أمصار الأرض. وقد تسرب التدهور إلى
صلب كيان اللغة العربية وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الإنذار المبكر
باستفحال هذه الوضع ليصل إلى حد استحالة إمكان السيطرة عليه. والمسُّ بجوهر
اللغة مسٌّ بجوهر كيان أصحابها، وتهديد مباشر لمرتكزات هويتهم وخصوصيتهم
الحضارية، لأن اللغة هي المكان الذي يلعب فيه القدر العميق للإنسان، وهي
المكان الذي ينسج فيه المحيط العائلي للفرد الحبل السري لهذا الفرد نفسه مع
ماضيه كما يقول سيكموند فرويد ، واللغة هي أول تواضع اجتماعي يقبل فيه
الأفراد قانونا جماعيا من أجل الحصول على اعتراف داخل هوية أو شخصية محددة
بانتماء إلى الجماعة والمجموعة حسب زعم "جلبير غرانغيوم" أو حسب ما ذهب
إليه الفيلسوف الألماني "فيخته" الذي يرى "أن الناس يتكونون باللغة" ،
أو"شامفو" ، وهو أحد الوطنيين الفرنسيين، الذي يقول:" إن اللغة هي الوطن،
فلنكن مع الوطن." وهذا الرجل هو الذي طالب من جميع المستشارين الثقافيين
ضرورة إلغاء اشتراكاتهم في "معهد باستور" حينما تم الإقرار فيه بتبني اللغة
الانجليزية لغة لإصداراته وكتاباته الرسمية.
ولعل الأصوات القارعة لناقوس الخطر المحدق باللغة العربية من هذا الباحث أو
ذاك، ومن هذه الجهة أو تلك، اتسمت غالبيتها بالعفوية و الإحساس الوجداني
المفعم بالمشاعر الصادقة، من غير تشخيص عميق لحقيقة الأسباب التي أوصلت
اللغة إلى ما هي عليه من التراجع والتقهقر والانزواء. وهذا لعمري يجعل
الجهود المبذولة لتصحيح مسار اللغة العربية ومعالجة واقعها المهتري لا
تلامس الموضوع في مكمن الخطر منه، ولا تهتدي إلى صميم المعالجة الصائبة
لهذا الموضوع.
إن مشكلة اللغة العربية اليوم ليست في حضور مصطلحات علمية تقنية معينة أو
غيابها من متنها المعجمي ورصيدها اللفظي ، وليست في طريقة تعبيرها عن بعض
القضايا بهذه الصيغة أو تلك، وليست في محافظتها على تعابير تركيبية أو
مفردات معجمية موروثة من القدم لم تعد لها من ضرورة اليوم...، وإنما
مشكلتها الحقيقية في الأسباب التي تقف وراء حالتها الراهنة، وفي الخطط
الممنهجة المشفوعة بكيد الليل والنهار من أطراف داخلية ضالة وأخرى خارجية
مضلِّلة، الساعية إلى مسخ حقيقة اللغة الوطنية، والتطبيل بالمقابل للغة
الآخر(اللغة أو اللغات الأجنبية) وكل ذلك في سياق هجمة شرسة على مقدسات
الآمة ومرتكزات الهوية وضوابط الخصوصية الثقافية. وأي تغييب لهذه الحقيقة
وعدم مراعتها في أي محاولة لتصحيح وضعية اللغة في الواقع الراهن، نراها غير
مجديةٍ، ونحسبها بدْلاً لجهود مضنية من غير نتيجة سريعة تذكر.
لهذه الأسباب سأعمل في هذه المقاربة على ملامسة الأسباب الحقيقة الكامنة
وراء تدهور اللغة عموما، واللغة العربية على وجه التحديد، عسانا نشخص
الوضعية الموضوعية ونفقأ عين الصواب حتى، إذا ما كانت من محاولة لإصلاحٍ
جذري لواقع اللغة وأحوالها، تكون مبنية على فقه الأولويات، ومواجهة الحقيق
من التحديات بدل الاشتغال على الهوامش في الموضوع.
وبعد التمحيص وإدمان النظر و استعمال الفِكَر تراءت لنا الأسرار الحقيقية
التي تنتصب وراء تدهور اللغة في واقع أصحابها، وتقف وراء انكسارها في ساحة
معركة اللغات وتدافعها في أسباب ومقتضيات بعيدة كل البعد عن واقع اللغة
المستهدفة، بعضها هذه الأسباب ذو علاقة بالواقع الداخلي لأصحاب هذه اللغة،
وبعضها له صلة بجهات خارجية، نحاول أن نقارب الكل في النقط التالية:
مقتضات تدهور اللغة:
نحاول استعراض أهم الأسباب الحقيقية التي تكمن خلف الوضعية اللغوية
بالبلدان العربية عموما (المغرب غير مستثنى منها)، بشيء من التسلسل
الموضوعي، لأننا نرى هذه الأسباب منسبكة بشكل راتبي يخضع في عمومه لمنطق
السببية والنتيجة. وهي كالتالي:

إن أول سر وراء قصور اللغة وتدهور حالها مقارنةً مع باقي اللغات هو ضعف
أصحاب هذه اللغة، وتخلفهم عن الركب الحضاري، ورضاهم بالقعود مع الخوالف في
مسيرة الإنسانية المسرعة إلى الأمام. فارتهانُ الأمة إلى المكتسَب،
واطمئنانها إلى الموروث الثقافي والحضاري تاريخيا من غير انعطاف مع الزمن،
ومجاراةِ الحياة في تطورها وتقلبها يخلق هوَّةً بين واقع المجتمع وبين
المسيرة الإنسانية المحكومة بسنن التغير والتطور. وهذا الارتهان للجمود
ينعكس على كل مرافق الحياة المجتمعية الحافظة لِسر الوجود المجتمعي،
والضامنة لِسر البقاء في نادي الريادة تحت سماء الإنسانية.
إن مرافق الحياة في المجتمع متواشجة إلى حد انعكاس أحوال بعضها في بعض بشكل
جدلي. فإذا ركضت الحياة في الاقتصاد انكماشاً، وفي السياسة انزواءً، وفي
الإبداع خمولاً، وفي الحياة الاجتماعية هواناً...فإن كل ذلك نجد له صيتا
ودويا في اللسان ولغة القوم، فتصبح اللغة تجتر مكتسبها من المفردات
والألفاظ وأضرب التعابير مما وُظف قديما من غير تجديد أو تمهير لمستويات
متنها اللغوي أو تحريك للممكن والمسموح به في نسقها المغيَّب،... .
فكل تخلف عن موكب الركب الحضاري للأمة، وكل غفوة تعتريها لحظة غفلة أو تفلت
من مسؤوليتها التاريخية والحضارية في سلم الإنسانية ينعكس مباشرة على لغة
هذه الأمة. فتتخلف لغة القوم بتخلف أصحابها، وتنكمش لانكماشهم، وتضعف
لضعفهم، كما تقوى لقوتهم وتتجدد لتجددهم. وهذا الضعف الذي تصبح عليه اللغة
إعلانٌ ببداية مشوار سقوطها، وموت روح الإنتاجية فيها، وتخلف عن مسايرة
تطور الحياة. وتكون هذه الوضعية أُولى بوادر تدهور حال هذه اللغة وإيذاناً
بتاريخيتها وتراثيتها، لا بعصريتها ومعاصرتها. وحول العلاقة الجدلية
القائمة بين وضعية اللغة ومستوى أصحابها في سلم التحضر لا نجد أوضح تعبير
وأكثر تدليل مما ساقه المنظر لعلم الاجتماع الحضاري المعاصر العلامة عبد
الرحمن ابن خلدون في "المقدمة" حيث قال:" إن مكانة اللغة بين اللغات يعكس
مكانة أهلها بين الأمم." .

1- ضعف أصحاب اللغة:


ذلك أن تقهقر أحوال أصحاب اللغة، وتخلف المجتمع على كل المستويات ينعكس
على واقع اللغة مباشرة، وتتوقف آليات تجديد اللغة الذاتية تلقائيا، فيعقم
رحم اللغة بعقم وانسداد أبواب العطاء وسبل الإمداد، وبتحنيط منابع ماء
الحياة في اللغة، وتجفيف روافد التجديد التي تمدها بالحيوية والتجدد، ونعني
بذلك مختلف أضرب وطرق التوليد اللفظي وإنتاج الكلمات من اشتقاق بأنواعه
(الصغير والكبير والكبار..) ، إلى جانب أساليب التعريب والنحت والاقتراض...
. ومادام لم تعد هناك من ضرورة لتوليد المفردات وإنتاج الألفاظ لغياب
إنتاج الأفكار وموت روح الإبداع في الواقع المجتمعي، يتم تعطيل هذه الآليات
التوليدية و الإمدادية في اللغة تلقائيا.
والمشهود به للغة العربية في الأوساط اللسانية والدراسات اللغوية عالميا
أنها لغة اشتقاقية، إلى حد أنه ما إن يُذكر الاشتقاق حتى تذكر اللغة
العربية لتعدد طرقه وتنوع وجهات إجرائه. وهو ظاهرة يتفرد نسق العربية به
تفريعاً وتنوعاً، مما جعلها من أغنى اللغات العالمية من حيث عدد الكلمات
التي تصل إلى أكثر من ثمانية عشر مليون كلمة(وفق مقتضى القسمة المنطقية)،
ومن حيث عدد المشتقات وتنوعها بحث تصل إلى عشرة أنواع (هذا بالنسبة
للمشتقات من أسماء المعاني فقط دون الإمكانات الاشتقاقية من أسماء الذوات) .
فكيف بهذه اللغة التي يعجز المعجم عن إحصاء كلماتها عددا منذ عهد بعيد،
كيف بها اليوم تعجز عن إمداد الواقع العلمي بحقوله المعرفية بالألفاظ
والمصطلحات اللازمة؟؟؟.والمفارقة هنا أن العربية زمن نهضة شعوبها ولحظة
حضورهم التاريخي وسبقهم في الإبداع العلمي والإنتاج الأدبي لم يسجل على
العربية في عهود الازدهار أنها لم تسع علوم و معارف وأفكار عصرها وإبداعات
تلك الأجيال، وأن أصحابها ركنوا إلى لغة غيرهم لحظة إنتاجهم العلمي
والفلسفي والأدبي....

وإذا تعطلت آليات الإنتاج في اللغة، وسدت سبل توليد الكلمات واشتقاق
المفردات فيها، فإننا نلمس افتقارا في هذه اللغة باديا بداهة في نقص معجمها
اللغوي من الكلمات، وافتقار متنها إلى مصطلحات ومفاهيم جديدة، خاصة
كالمصطلحات ذات العلاقة بالعلوم والتكنولوجيا وميدان التربية والطب
والسياسة والاقتصاد، ومصطلحات القطاعات ذات الصلة المباشرة بدواليب قطاعات
الحياة المجتمعية الحيوية...، والتي أصبحت عملة التواصل في الحاضر، وعنوانا
للتقدم ومفتاحا للتطور. فتعطيل روح التطور اللغوي الداخلي في اللغة نتاج
لتوقف آليات إغناء الرصيد المعجمي للغة، لأن واقع التطور في المجتمع هو
الذي يدفع اللغة إلى التجدد والتوسع وليس العكس.

وهو المتمثل في اتهام اللغة الأم (اللغة الوطنية) من لدن أصحابها بالموت
والضعف، وعدم قدرتها على مسايرة الإيقاع الحضاري المتطور، ومواكبة العصر في
تطوره ومجاراته في انجازاته ومكتشفاته المذهلة، وأنها لم تعد صالحة لتغطية
المجالات المعرفية والتكنولوجية من حضارة اليوم... .
وهذا الاتهام للغة بالضعف وعدم الأهلية محاولة فاشلة (من أصحاب اللغة)
ترسم معالم الفشل فيهم لا في اللغة أساسا، لأنها تهمة تعمل على صرف الأنظار
عن مكمن حقيقة التخلف، وعن أسبابه المباشرة بنقل التهمة عن الذات وإلصاقها
باللغة، وكأن اللغة نسق فوقي وظاهرة اجتماعية مفارقة لحياة المجتمع
ومستواه المعرفي ورصيده الإنتاجي و العطائي، ولا علاقة للتخلف بواقع أصحاب
اللغة. وهذا فيه من الهروب من مواجهة الحقيقة المرة حقيقة أُوار جذوة
الدينامية والفاعلية والحركية والتطور في أنفس أصحاب اللغة عبر نسبة التخلف
وأسبابه إلى اللغة لا إلى الذات المتحدثة بهذه اللغة.
وهذا الموقف السلبي من اللغة و الاتهامي لها قد يستدعي طرفا آخر متعصبا
للغة الوطنية أو القومية بطريقة غير سديدة ينافح عنها ويدعي لها الكمال
والتمام، فيسيء طرفا المعادلة الاجتماعية إلى اللغة من حيث يدري كل منهما
أو من حيث لا يقصدان،
- فالتيار التنقيصي غالبا ما يكون تيارا ارتمائيا، مسلوب الإرادة تحت
طائل الحداثة، وزعم التقدم وهو يعاني من عقد الميل إلى الآخر أو "التماهي
مع الآخر" باصطلاح الدكتور هشام شرابي ، فيعلن الولاء والتبعية العمياء
للآخر(المتقدم)، ويتهم لغته الوطنية بالنقص وعدم الكفاءة... ويرى في لغة
الآخر بديلا لصناعة التحضر وركب التقدم المزعوم، وهو في ذلك ساقط في "شبهة
الخلط بين ما يستحق الاقتباس وما لا يستحقه."كما يقول الدكتور طه عبد
الرحمن.
- والتيار (التقديسي) الذي يرى في لغته قدسية خاصة وحماية لهويته... يصفها
بالكمال والتمام والجمال والجلال... . وإن كان صادقا في دعواه ودفاعه عن
لغته حرصا منه على هويته، إلا أنه يسيء لها بالنظر إليها كاملة مكتملة لا
يشوبها نقص، وهي عكس ذلك مادامت حالتها تحكي حالته، وموقعه من التقدم يعكس
موقعها في سلم التطور. ولغته أحوج إلى الانطلاق والمبادرة والتغير بما يحفظ
لها الاستمرار وصناعة القرار.
وكلا التيارين في المجتمع يعملان على ترسيخ طرق غير قويمة في نقل حقيقة
اللغة وتقديمها إلى الأجيال(المواطن العادي)، بحيث غالبا ما تنتصب وراء
عقلية الاتهام للغة بالقصور والنقصان دوافع سياسية تحركها نوازع ومصالح
شخصية أو فئوية لا علاقة لها بالواقع الموضوعي أو بالبحث العلمي الخالص.
وغالبا ما يتبلور الموقف المدافع داخل فضاء وجداني مشاعري لا يخلو من حاجة
إلى منطق وتسديد.

إن النظر إلى اللغة نظرة تنقيصية اتهامية يعمل على تكريس آليات ومناهج
وطرق غير كفؤة في تعليم اللغة وتعلمها داخل المجتمع. بحيث لا تحظى اللغة -
نتيجة الموقف السلبي منها- بأي اهتمام لتطويرها والنهوض بقطاعها في
المنظومة التعليمية، ووضع الاستراتيجيات، واقتراح المناهج...، فيقتصر في
مناهج تدريس اللغة على طرق قديمة أو على مناهج جديدة (اللسانيات الحديثة
بفروعها الوظيفية والتوليدية والتأليفية والبنيوية...) لا تراعي شروط
وقواعد نسق هذه اللغة، ولا متطلبات نسقها الداخلي، ولا طبيعة تحدياتها
الراهنة. فيقع اضطراب في طريقة تقديم هذه اللغة لأجيال الحاضر والمستقبل،
مما يولد الشنآن، ويغذي النفور من اللغة الوطنية، وتصبح طرق تدريس اللغة
عبئا على اللغة، وعبئا على متعلميها معا، فلا هي تصل إلى أذهان أصحابها
ولاهم تمكنوا من ملامسة حقيقتها كلسان صالح للتعبير والتواصل والإبداع... .
إن أقطاب الموقف التنقيصي الاتهامي للغة الوطنية (اللغة الأم) يرون في
مجهودات تطوير لغتهم مضيعة للوقت وصرفا للجهد في غير محله من غير فائدة،
فتصرف الأنظار وتصرف الجهود إلى اللغات الأجنبية - بدل اللغة الأم -
بالاهتمام والرعاية والإشادة والإقبال...

وفي إطار الاضطراب المقصود في نقل اللغة الوطنية وتعليمها، يتم العمل على
تجفيف ذاكرة الشعوب وأبناء الوطن من لغتهم الأم من خلال ضرب الروافد التي
تعتبر عناصر وقنوات إمداد للغة ووسائل تمكينها في النفوس والألسنة. من ذلك
تبخيس صورة المواد الأدبية في التربية والتعليم، فيتم العمل على إقصاء هذه
المواد عبر التنقيص من قيمتها المعرفية والعلمية ومن قيمتها كمواد تساهم في
تكوين شخصية الإنسان الفرد وشخصية الجماعة، وكمعارف تساهم في التأهيل
الفردي والجماعي للاندماج في المجتمع والمحافظة على النظام والحرص على
السلوك القويم الحسن، وكأُصول فكرية تعمل على تهذيب النفوس والأفئدة
والوجدان.
ان التيار التنقيصي ينظر إلى المواد الأدبية (الشعر بتلويناته، والنثر
بأطيافه وأنواعه، والرسم ...) نظرة ازدراء واحتقار إلى حد اتهامها بالمواد
العقيمة التي لا جدوى من وراء تعليمها وتعلمها، بل إنها مواد تربِّي على
الكسل الذهني لدى الناشئة والمتعلمين، وتعلم الخمول والاستكانة... . وفي
المقابل، فإن المعارف والمواد التي يجب الحرص عليها وتعلمها والإقبال عليها
هي المواد العلمية لا غير. ولعل صرخة المفكر والناقد تزيفتان تودوروف كانت
صائبة، خصوصا بمؤلفه الشهير"الأدب في خطر" الذي يحسس فيه بواقع الأدب في
هذه الأجيال، وبالمؤامرة التي تحاك ضد هذا القطاع المعرفي الحيوي من رصيد
الفكر الإنساني الراقي من مجموعة من الجهات، قصد إعدام الأفكار وتجهيل
الأجيال، وتغييب قطاع الأدب من حياتها كقطاع تنويري تهذيبي استنفاري تحذيري
استشرافي. وقد نسي المرجفون أن محاربة اللغة من جهة الأدب وفنونه هي
محاربة للعلم والمعرفة من جهة اللغة، لأن العلم لا يؤدى إلا باللغة، ولا
يتم إلا بها، وأنه بقدر امتلاك العالِم لناصية اللغة بقدر تمكنه من الإفصاح
عن علمه وتبليغه. يقول "روس جون ماري Rose Jeanne Marie": "فمن أهم وظائف
اللغة أنها أداة للتعبير عن الأفكار العلمية، وعمليات البيع والشراء،
والتعاقد والأوامر، ولابد أن تكون منضبطة- تماما، وتتسم بالدقة البالغة."
وقد وصلت أصداء هذه الادعاءات والدعاوى المغرضة إلى أصحاب القرار في
الهيئات السياسية المشرفة على قطاع التعليم والتربية، فترجمت هذه الادعاءات
التنقيصية إلى واقع عملي عن طريق النقص في معامل المواد الأدبية قياسا على
معاملات المواد العلمية، وقس على ذلك سوق الشغل وفرص العمل المطروحة أمام
التلميذ ذي التوجه العلمي مقابل ما هو متاح للتلميذ ذي التوجه الأدبي.
و الذي يهمنا في هذا الصدد هو انه بهذه الادعاءات والتصرفات تنفر الأجيال
من المواد الأدبية وتقبل على العلوم فقط (سواء كانت قادرة على العطاء في
هذا المجال أم لا). وبتخليها عن المواد الأدبية وعدم اهتمامها بها يجعل
الأجيال تعاني من الفقر اللغوي الظاهر في مستوى إبداع أو تعبير هذه الشريحة
المجتمعية الكتابي أو الشفهي، حتى أصبحنا لا نكاد نعثر على تلميذ في قسم
من أقسام التعليم يجيد الحديث باللغة الأم إلا نادرا، وأصبح المتمكن من
لغته من التلاميذ حالة شاذة.
ينضاف إلى محاربة المواد الأدبية محاربة المواد الدينية(الإسلامية طبعا) من
البرامج التعليمية في كل أسلاك ومستويات التعليم، نظرا لما للمواد
المعرفية ذات العلاقة المباشرة بالدين من العلاقة والوثاقة، و نخص بالذكر
مادة التربية الإسلامية، باعتبارها المادة الوحيدة الحاضنة للنصوص الدينية
والمواد الشرعية في سلك التربية النظامية. وان كانت عملية محاصرة هذه
المادة في التعليم و تقزيمها و تهميشها إلى حد ما خاضعة لدوافع
معروفة، إلا أن محاربة هذه المادة هي محاربة للغة التي تدرس بها، والتي هي
اللغة العربية طبعا. وبالتالي، فاللغة الوطنية مقصودة من هذا الجانب بطريقة
أو بأخرى لا تحتاج إلى تعليل أو برهنة.

2- تجفيف منابع التجديد في اللغة:
3- الفقر النسقي:
4- موقف أصحاب اللغة التنقيصي:
5-الاضطراب في نقل اللغة وتواترها:
5- أ- تهجين صورة المواد الأدبية في المنظومة التربوية:


تبعا لمنطق اتهام اللغة الوطنية بالانكماش وعدم المردودية في الحياة يتم
إضعاف فرص الشغل بها عبر إقصائها كلغة يمكن أن توفر لمن فقهها شغلا ووظيفة،
وهذا الإقصاء للغة من الحياة الوظيفية، وهذا التنقيص من قيمتها، واتهامها
بعدم قدرتها على صناعة التطور والمساهمة في التاريخ يوجه الاهتمام تلقائيا
إلى اللغات الأجنبية التي أخذ أصحابها بحظ في سلم الحضارة و مدارج التطور.
إن تهميش اللغة الوطنية بإبعادها عن واقع الشغل والوظيفة داخل المجتمع يدفع
بالأجيال المتلهفة للمهن وارتياد سوق الشغل يبحثون عن اللغة التي تكون
أقدر على تامين لقمة العيش وضمانها، فيتعلقون بلغة الأمم الغالبة إقبالا
وتعلما وفقها، وينسون لغتهم الأم ويهملونها في المدرسة والجامعة والمعاهد
كما في الشارع، حتى ترى التفاخر بين أبناء الجيل بما فقهوا من ملكة لغة
الأقوام الغالبة لا بما حصلوا من مسالك لغتهم الوطنية.
وهكذا ينضب معين اللغة الوطنية بواسطة أسلوب الاتهام (اتهاما بالقصور)، ثم
بالإقصاء (إقصائها عن عالم الشغل وعن توفير الوظيفة)، ثم بالإغراء
(الإغراء بلغة الآخر كقناة مؤمنة للرغيف اليومي).
وهنا أفتح قوسا لأقول: إن لسان حال المرجفين من أبناء الامة الذين يتهمون
لغتهم الأصلية بالقصور يقول: لقد جاء الزمن الذي كل من يتكلم فيه اللغة
العربية أو يفكر بها يعرض وجوده (حاضره ومستقبله) للضياع، وكأن صاحب اللغة
الوطنية الأم يفكر في الوهم، ويتكلم بالمهمل، فيجمع بين سيئتين لا تجتمعان
في مخلوق أو على مخلوق إلا أهلكتاه. ولكن ينسى أو يتناسى هذا القائل أن
حظَّه أتعس من حظ اللغة التي يتّهمها. وأن اللغة التي أصبحت على مرمى حجر
من نغمة الازدراء عنده هي أعرق منه وأسبق إلى الوجود من وجوده، وهي أرسخ في
تربة الإنسانية منه. ونحن نعرِّفه بما لا يعرف من قول الشاعر رينيه
شارRENE CHAR بأن اللغة " تعرف عنا أشياء نحن نجهلها فيها.". فكيف بعقلية
لا تعرف عن موضوع تهافتها إلا اللّمم، أن تتطاول بكلبها العقور على هذا
الموضوع (موضوع اللغة) بشتى مهابط النعوت التي هي بالمتلفِّظ بها ألصقُ،
وهو بها أحق. وهو غير خارج من شرَك الجهل والتخريف أن يتفنّن في لهجة الشتم
والسّباب، وغير مُنفكٍّ من دائرة الاتهام أن يتهم اللغة الأم بالقصور.
إن كل مرتبط بالمستعمر يرى في عودة اللغة العربية الوطنية إلى مكانتها
وتحكمها في مجريات الحياة التواصلية والثقافية والعلمية والإبداعية تهديدا
مباشرا لمصالحه وفقدانا لامتيازات ضمنتها له لغة الأجنبي (الفرنسية مثلا)،
وعليه أن يتخلى عن هذه الامتيازات لصالح من يتقن الوطنية الأصلية. ولم
يعد يهم أذيال المستعمر في أوطاننا أن اللغة العربية قادرة على الإجابة عن
أسئلة العصر وتحدياته، وإنما ينظرون إلى هذه العودة المظفرة للعربية مزاحمة
لهم وفقدا لمصداقيتهم ومصداقية اللغة الأجنبية التي أحرزت لهم مكانتهم
سلفا في الواقع المحلي. ولعل هذا ما كان سببا واضحا ودافعا للتآمر على
مشروع التعريب في الوطن كما في الجزائر وتونس وغيرها من البلدان العربية.

في سياق غلو الاتجاه المنقص من قيمة اللغة الوطنية والمتهم لها بعدم
قدرتها على صناعة الحدث، ورسم معالم تاريخ التطور، في هذا السياق يتم
الإعلان عن موت اللغة الوطنية كلسان حاضن للثقافة وقناة مؤمنة لرسالة
العلم. فتنتشر إشاعات مغرضة متهمة اللغة بعدم جدواها وقدرتها على نقل
المعارف الإنسانية أو جدواها في مساعدة العقول على التفكير وإنتاج الأفكار
والعلوم، بل وعدم جدواها حتى في تلقين الأفكار أو تقريب العلوم من أفهام
أصحابها (المتلقي والقارئ سواء بسواء).
فمن اتهامها بعدم قدرتها على إنتاج المعارف، إلى اتهامها بعدم مساعدتها
لأصحابها بتقريب المعارف منهم، إلى اتهامها بعدم قدرتها على نقل المعارف
لافتقارها المصطلحات العلمية والمعرفية التقنية الجديدة، ولفقرها المعجمي
وضعفها عن توفير المفردات المرادفة لهذه المفاهيم المستحدثة، ولصعوبتها
كلغة تاريخية هي محض عطاء مرحلة من تاريخ القوم عفا عنها الزمن وولت مدبرة.
وبالتالي، فلا سبيل لاكتساب العلم والمعرفة المعاصرة بمختلف شعبها إلا
بفقه مظانِّها التي هي لغة الآخر (اللغات الأجنبية) صانعة مجد الحضارة،
وراسمة مسالك التقدم، ومالكة زمام التطور.
وفي هذا الاعتقاد من التلبيس والتدليس في الحقائق مالا يخفى على ذي لب أو
حصافة نظر، ذلك أن اللغة كظاهرة إنسانية ذات صلة وطيدة بواقع المجتمع وأهله
وأجياله، ومترجمة بالأساس لمعارف وعلوم وأفكار هذا المجتمع. والشَّعب
المنتجُ للمعرفة والمبدع للأفكار تكون لغته أقدر على التعبير عن تلك
الأفكار والمعارف وترجمتها. فتكون اللغة هي الناطق الرسمي باسم إبداع الذهن
المفكر بتلك اللغة، والمنتج بها للأفكار والمعارف والمناهج.... وهي
القادرة على تبليغها والإبلاغ عنها. وعليه، فالتهمة(تهمة القصور والضعف...)
ألصق بأصحاب اللغة من اللغة بنفسها. ولئن كان ابن جني يعرف اللغة بقوله: "
أما حدُّها: فأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم." فهي آلة العقل
ووسيلة الذهن ومترجمة أسرار النفوس وإبداعات العقول. وضعف العقول وتلكؤها
على العطاء والمبادرة وهوان النفوس وخور الإرادات وسماجة الفِطَر... كل ذلك
يجعل من اللغة واقعا لسانيا ضعيفا مهترئا خائرا. وإذا كانت اللغة تعكس
هندسة الذهن البشري ومكنونه، فإن الذهن الخائر الكسلان ليس له لسان. والكسل
الذهني هو سبب الكسل المتسرِّب إلى جسم اللغة وليس العكس.
إن هاجس البحث عن المعلومات والوصول إلى المعارف والعلوم ينقلب إلى وسيلة
لإعطاء أسبقية للغة الآخر في تربة اللغة الوطنية وعلى حسابها، فتنشا ثنائية
لغوية أو تعدد لغوي وظيفي: لغة الخطاب اليومي (اللغة الأم) ولغة العلم
والمعرفة(لغة الأجنبي). لكن ما يفتأ الوضع أن ينقلب إلى اكتساح لغة الآخر
لكل مجالات اللغة الأم وحقولها الوظيفية والتداولية وحتى التواصلية منها
والإبداعية والفنية، فتحرز اللغة الأجنبية على مكان لغة وطنية رسمية أصيلة
تحت مبرر لغة الحداثة ولسان المشروع العصري. وبالتالي، نصبح أمام ما يمكن
أن نسميه بالاختزال الأحادي، وهذه الممارسة للأحادية اللغوية الوظيفية يغذي
نزعة الكراهية والحقد ويؤجج نغمة العداء الصريح والخفي للغة الأم (اللغة
الرسمية الوطنية). بل وهذا العداء قد يشمل حتى اللغات الأجنبية الأخرى التي
يمكن أن تكون أكثر عمقا ونفعا وأحسن عطاء و مردودية من اللغة الأجنبية
التي يتم الترويج لها تحت هذا المبرر أو ذاك. وهذا ما يمكن أن نلمسه جيدا
في المغرب مثلا حيث التبشير والترويج للغة الفرنسية في الدوائر الرسمية
وغير الرسمية أكثر من اللغة الانجليزية، ولو كانت المصلحة الوطنية وحب
المعرفة والسعي وراء اكتساب العلوم هي الدوافع الحقيقية للتعلق بلغة أجنبية
على حساب لغة الوطن لكان الواجب والمنطق ومقتضى الواقع يستوجب الأخذ
باللغة الانجليزية أولا لأنها أكثر انتشارا، وأكثر حضورا في جميع الميادين
والثقافات اليوم من الفرنسية.فالفرنسية تبدو متخلفة أمام الانجليزية بكل
المقاييس.
إن إقصاء اللغة الرسمية عن مجال العلوم اليوم، واتهامها بالقصور في تبليغ
المعارف وإيصال المعرفة بشعبها المستجدة (الرياضيات والفيزياء والفلسفة...)
هو نفس الشعار الذي روجت له الدراسات الاستشراقية قديما وحديثا، حتى كانت
تشكك في إمكانية تحقيق حداثة أو تحديث في المجتمعات العربية وغير العربية
بلغاتها الأم (اللغات المحلية الرسمية)، وكأنه من سنن التاريخ المعاصر
ألاَّ حداثة ولا تحديث بلغة محلية في الدول ما دون الغربية، ولا يمكن
الحديث عن الحداثة والتطور في سياق اللغات الوطنية بحسب ادعاء "جلبير
غرانغيوم" الذي يرى "أن طريق النجاح لا يتم إلا عبر اللغة الأجنبية، وأكثر
من ذلك عبر الكفاءة العليا المحصل عليها في الخارج." .
إن اتهام اللغة الأم في مدى جدواها في الحياة وفي وظيفتها الاجتماعية
والسوسيوثقافية والسوسيواقتصادية تهديد مباشر للثقافة الوطنية ولمرتكزات
الهوية ومبادئها، لأن تهديد اللسان الوطني الرسمي تهديد للهوية وإيذان
ببداية وإعلان الحرب على مرتكزات الاستقرار و الأمن الاجتماعيين.وهذه
الملاحظة أو الاستنتاج ليس وليد إحساس عابر يعتور الوجدان لحظة غضب أو تسرع
في إطلاق الأحكام ، إنما هو نتاج قراءة متبصرة في واقع المجتمعات التي
حملت فيها رياح التغيير نغمة معانقة لغة الآخر الغالب(المتحضر) كخطوة أولى
ضرورية لولوج عالم التقدم فكانت النتيجة عكسية تماما، فهذه السنغال الدولة
الإفريقية التي تصنف ضمن خانة الدول المتخلفة إلى اليوم، قد استبدلت لغتها
الرسمية ولسانها الأم باللغة الفرنسية منذ أمد بعيد واتخذتها لغة رسمية في
جميع القطاعات الرسمية والمجالات الحيوية للمجتمع، وحتى لغة الخطاب اليومي
لكن مع ذلك بقيت السنغال من أبعد الدول عن الحداثة أو حتى الحلم بمشروع
حداثي كالذي هي عليه الدول الغربية الناطقة بالفرنسية(فرنسا وبلجيكا مثلا).
وفي المقابل هذه اليابان التي حافظت على لغتها وتراثها ومعالم حضارتها
وخصوصية ثقافتها إلى حد بعيد،قد استطاعت في ظرف عقود معدودة متأخرة وهي
الخارجة من الحرب العالمية تجر أذيال الهزيمة والتدمير الشامل أن تحقق
نهضتها العلمية والمعرفية والتقنية في جميع الميادين، والكل ضمن نسق هويتها
الوطنية وخصوصيتها التاريخية.
إن اعتبار تبني لغة الآخر كمدخل لمشروع الحداثة كِذْبة العصر وترجمة لحقيقة
الكذب والتدليس المؤبلس، وحَملٌ للناس على تمني مالا تتحقق الأماني به.
ومثل هذه الادعاءات تغريرٌ بالعقول الساذجة والضمائر المنافقة المغسولة
بماء الانبهار بما في أيدي الآخرين من غير اهتداء إلى معرفة طريق الحصول
عليه. ناهيك على أن تبني لغة الآخر بشكل أحادي والتعصب لها( كما هو حاصل في
الدول المنضوية تحت لافتة الفرونكوفونية مثلا) ، يقطع الطريق على لغات
حضارات أخرى قد تكون أحسن حالا وأنفع من اللغة الفرنسية. فتكون دعوى
الانفتاح كشعار ترفعه الجهات المروجة للغة الآخر على حساب اللغة الوطنية
إلام قد أعاد البلد إلى الانغلاق بدل الانفتاح و سد تماما مسالك الاستفادة
من التجارب الأخرى باعتماد لغة معينة من اللغات الأجنبية. فاللغة الفرنسية
مثلا لغة متخلفة في مسلك الحضارة وسلم التطور والانتشار مقارنة مع اللغة
الانجليزية على سبيل المثال. ولو كان دافع تبني لغة أجنبية بوازع الاستفادة
من التجارب بأقصى ما يمكن لأوجب هذا الدافع التمحيص في اختيار اللغة
الأقدر على ترجمة واقع التحضر والتقدم أكثر من غيرها. وهذا ما يبين أن
تهميش اللغة الوطنية الرسمية في المغرب أو الجزائر أو تونس مثلا لصالح
الفرنسية إقصاء مقصود لا تحركه مصالح وطنية أو قومية أو معرفية استراتيجية،
إنما بدافع مصالح شخصية أو فئوية ضيقة.

فإذا كان معول هدم صرح اللغة قد انطلق من افتقارها إلى تعطيل روحها
التجديدية غالى اتهامها فالتقصير في نقلها وتعليمها ثم إبعادها عن فاعليتها
في الحياة الإنسان وعن صناعة الأفكار وترجمتها فاتن المطاف التهديمي ينتهي
إلى محاولة محو علاقة اللغة بهوية الإنسان وعن فاعليتها في الحفاظ على
المقومات الذاتية التي تتميز بها كل امة عن أخرى واقع الإنسانية المحكوم
بالتنوع والاختلاف.فنزع فاعلية اللغة ودورها في حياة أصحابها واتهامها
بالتورط في صناعة التخلف المحلي وتكريس واقع الضياع والانكماش، كل ذلك يجعل
أصحاب هذه اللغة اشد نفورا من لغتهم فرار الحمر المستنفرة من باس قسورة،
وأكثر اتهاما لها بصناعة واقع التدهور والتخلف، فتنتفي عن اللغة الوطنية
(اللغة ألام) رمزيتها كأبرز عنصر ضامن لهوية الأمة ومحافظ على نسق القيم
والأخلاق والمبادئ والشيم وترجمته في علاقته بالمعتقد والتاريخ كسمت تتفرد
به الأمة في ساحة الأمم في العالم.
فضرب رمزية اللغة داخل الأمة ضربٌ لأنساق هويتها، وإجهاز على مقوماتها التي
تحفظ لها خصوصيتها على مختلف المستويات (على مستوى القيم والأفكار
والمعتقد والتاريخ واللسان....)، نظراً للارتباط الجدلي المصيري الحاصل
بمحض الضرورة الواقعية ومنطق سنن التاريخ بين اللغة أمة وبين قيمها
ومعارفها وطرق تفكيرها ومعتقدها ومنظومة أخلاقها ومسيرة تاريخها. و كل
إجهاز على رمزية اللغة بإبعادها واتهامها هو إجهاز على مقومات الهوية،
وإبعاد لعناصر الخصوصية الحضارية الحافظة لسر التميز في عالم التنوع الذي
اقتضته السنن الكونية، وأودعه الله تعالى هذا العالم وجعله ركيزة قيامه
وسبب إبداعه. قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا..." وقال أيضا: "ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة
ولذلك خلقهم.". ( التوثيق )
إن تكريس عقلية الاتهام للغة في رمزيتها الحضارية تهييئ للأمة على طريق محو
هويتها ومسخ كينونتها، وعرض رصيدها الحضاري بضاعة كاسدة في سوق النخاسة
العالمي، وحملها على البحث عن ذاتها في هوية أمة أخرى لن تسعها مهما قدمت
من تنازلات في سبيل ذلك. وإن كانت الأمة و هوية الأمة راضية على مضض بدخول
أصحاب هويات أخرى رحابَ عالمها، لأنهم ما يلبثوا أن يجدوا أنفسهم كائنات
ممسوخة تعيش بدون رصيد ومن غير انتماء، فيتم الانقلاب من المروءة إلى
الإمعية باصطلاح الدكتور طه عبد الرحمن ، لان الهوية عمق وكينونة متوغلة في
تاريخ كل وأمة، و متجذرة في تربتها بشكل لا يجعلها منفصلة عن
تاريخها وعن صيرورتها عبر الأجيال وتعاقب الحقب والأزمان.
وكل تحامل على اللغة الأم تحامل على مقومات الهوية، وتحامل على التاريخ،
وتحامل على الرصيد الحضاري للأمة، واتهام لمسيرة الذات عبر الأجيال، وما
ذلك إلا تملُّصٌ من أصحاب اللغة من تحمل المسؤولية في التخلي عن الركب
الحضاري، ومعرفة طرق الاستنهاض، وركب عجلة المبادرة والفاعلية. واللغة
تابعة لأصحابها في كل ذلك لا متبوعة.
إن صناعة الحضارة والفعل في التاريخ موكول للإنسان لا للغته. وإن اللغة
مترجمة بكل أمانة لمستوى صاحبها الفكري والمعرفي والريادي، لأن اللسان
مترجم لمنطق الذهن، ولهندسة الفكر، وكيف يشتغل، ومَبْلغ مستواه في الوعي
والإدراك. وكل وعي بشري وكل تصور ذهني فهو مرئي في متن لغته، ومعكوس في
نسقها المعجمي والتركيبي والبلاغي... .

في نفس سياق التحامل على اللغة الوطنية ترتفع الأصوات المغرضة والمدفوعة
بمصالح ذاتية ضيقة بعيدة عن الروح الوطنية وعن عمق الانتماء الحضاري،و
معززة بإغراءات خارجية لاستبدال اللغة الأم باللهجات. وبكلمة أخرى نقول:
أمام فك مناشط الفكر وحل عرى اللغة بشتى أساليب الاتهام والتنقيص من قيمتها
وجدواها في حياة الأفراد والمجتمع يُفسح المجال لنشوء النتوءات والأدران
في جسد المجتمع عبر ظهور نداءات هنا وهناك من خَدَمة المشروع الاستعماري
وأذنابه، ومن اصطحاب المصالح الذين لا يصطادون إلا في الماء العكر، تطالب
باستبدال اللغة الرسمية باللهجات أو تلهيج اللسان، أو استبدال اللغة
الرسمية للوطن الواحد باللغات الجهوية ، لتصبح هذه اللغات(الجهوية) بديلا
عن اللسان الموحَّد والموحِّد السابك لعرى فئات المجتمع في وحدة وطنية
موحدة، والسابك لشعوب كثيرة وأوطان عديدة في أمة واحدة تشترك شعوبها في
الدين والتاريخ واللسان والأرض والعمق والقيم والمصير... .
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل داعٍ بمثل هذه الدعوات على نفسه قبل أن
يوجهَّه إلى غيره هو: إذا كانت لغة وطنية واحدة يتحدثها الجميع، عميقة في
المجتمع عمق هذا المجتمع نفسه، وقديمة قدم بداية انبعاثه وحضوره على ساحة
التاريخ، و متجذرة في تربته تجذر هويته فيه...، إذا كانت هذه اللغة الرسمية
الوطنية غير قادرة على صناعة التاريخ الحالي للمجتمع، لأنها حسب الزَّعمِ
ناقصة وغير قادرة على ترجمة مشاريع العلم والمعرفة، فكيف بلغة جهة منحصرة
في منطقة ما من مناطق الوطن لم يوضع لها حرف ولم يكتب لها معجم إلا في
الآونة الأخيرة، و متنها المعجمي فقير لا مجال لمقارنته مع اللغة الرسمية
للوطن، كيف بهذه اللغة الجهوية أن تكون بديلا حقيقيا لصناعة مشروع
حضاري؟؟؟.
إنه مهما كانت علاقتنا بالأجنبي- والواقع يشهد لذلك بما لا يدع مجالا للشك
لكثرة التجارب في بلدان العالم- لن نكسب من الحداثة و العصرنة بتبنينا
للغته وتخلينا عن لغتنا الوطنية الأصيلة إلا الاسم، ولن نفقه من مشروع
التحديث والتحضر إلا الشعار. وأمام هذه الوضعية وأمام عجز اللغات الجهوية
في البلد(اللهجات المحلية) عن حمل عبء مشروع الحداثة، فإن البديل الأوحد
على جهة الحقيقة هو الثقة في اللغة الوطنية و التعويل عليها. فهي المؤهلة
تاريخيا وواقعيا لِما تتميز به من غِنى وشساعة ومرونة في مقوماتها الذاتية
الصرفية منها والمعجمية والتركيبية والأسلوبية والتداولية... .
والعربية بحد ذاتها تحتاج إلى قاعدة خلفية تشكل مصدر إمداد ومحرك دفع هو
الموروث اللغوي القرآني (عربية القران) الذي يشكل الرصيد الضامِن للتحول
والانفتاح اللغوي. هذا دون إغفال ما تمت البرهنة عليه سلفا، وهو وجوب إحياء
روح الإرادة والعزيمة في أصحاب اللغة ليصبح التغيير وطلب العصرنة عندهم
واجبا مقدسا، يؤمنون به ويسعون إليه ويسلكون مسالكه. آنئذٍ يمكن للغتهم أن
تعود لها الريادة والحضور المعرفي في ساحة معارف الأمم، ويعود لهم شرف
القيام بالشهود الحضاري.فلا ضمان لتطور البلد وتحولها من غير تجديد لروح
الشخصية في البلد.
إن اللغة العربية هي اللغة الأم الحقيقية التي بداخلها يقوم كل فرد بهيكلة
شخصيته وصيانة ذاته وتشكيل هويته، باعتباره ينتمي إلى جماعة. يقول بيرستين:
"إن تعلم اللغة هو في الوقت نفسه تعلم للبنية الاجتماعية." . إنها لغة روح
الأصالة وعمق الانتماء لنبعٍ متميز داخل منظومة الإنسانية. وداخل اللغة
يُربى الحلمُ والرغبةُ والإطلاع على الماضي، ومعانقة الحاضر واستشراف
المستقبل. ومن داخل اللغة الأم يتبلور الشعور بالمستوى الجماعي للعواطف
والأحاسيس والوعي والضمير الجمعي وفيض الحياة، وبذلك تشكل اللغة الأم
الميدان الحقيقي الذي يجري بداخله التحولات الثقافية العميقة بانفتاح مرِن
على رياح التغيير والتطور والتحديث، من غير انتهاك لعناصر مشروعة في رصيد
الهوية والخصوصية. فيتحقق التقدم بنفس اللسان(اللغة الوطنية الرسمية) من
غير اقتلاع عن تربة الجذور الوطنية (جذور الانتماء لعمق الأمة)، أو تهديد
لمرتكزات الثقافة والهوية والحضارة والانتماء.
إن توظيف اللغة الأم فتحٌ لمجالات وإمكانات الإبداع والتجديد وتوسيع أفق
اللغة. وهذه الإبداعية والتوسعة هي انعكاس لإبداع الذهن وشاسعة أفق الدماغ،
لما بين اللغة من جهة وذهن صاحبها من علاقة تواشجية جدلية من جهة ثانية،
يتبادلان الأدوار في فتح إمكانات الإبداع وإتاحة فرص التجديد والتجدد:
فاللغة تمد الذهن بالمادة اللازمة لترجمة الأفكار إلى حيز الوجود الخارجي
القابل للإدراك، لان توسع البُنى اللغوية في اللغة توسيع لقدرات الدماغ
المعرفية. والذهن بدوره يسمح بتوسيع اللغة وتطويرها بإمدادها بالمادة
الفكرية التي يتوجب على اللغة أن تترجمها إلى واقع مدرك، كما يعمل الذهن
على تحريك الطاقة الإبداعية الخلاقة المكنونة في نسق اللغة وتشغيل آلياتها (
ونعني بذلك كل طرق التوليد المعروفة في اللغة من اشتقاق بأنواعه و تعريب
ونحت...)، فيتحرك متن اللغة ويتسع استجابةً لروح الأفكار والمعلومات
الجديدة التي ينتجها صاحب اللغة.

يرى المرجفون في الأوطان العربية أن كل مجهود لإحياء اللغة الوطنية الرسمية
إحياءٌ للشخصية الوطنية، وبعث لروح الهوية من جديد، وتحسيس للمجتمع بعمق
الانتماء، وإعادة ذاكرة الشعوب للاشتغال من جديد، وبداية لتحفيز مكونات
الوحدة الثقافية على التبلور من جديد، لتصبح قاعدة للانطلاق والحركة، ذلك
أن هناك علاقة لا ينكرها أحد بين اللغة والروح الوطنية، وبينها و بين
التاريخ والثقافة ورصيد الشعوب الحضاري.
وفي العالم العربي، يرتبط خوفُ فريق من المثقفين والسياسيين ذوي التوجه
الليبرالي والعلماني والفرنكوفوني من عودة اللغة الوطنية إلى الواجهة
بالخوف من عودة المشروع الإسلامي وسيطرة النزعة الإسلامية على الدولة، نظرا
للعلاقة المصيرية بين اللغة العربية والدين الإسلامي. وكأن لسان حال هؤلاء
يردد مقولة المستشرق "ويليام هكسلي" الذي يرى في " تعلم الدين تمرينا
للناشئة و الصغار على الكسل الذهني." . فيكون الوقوف في وجه مشروع التعريب
وجهود تمكين اللغة الوطنية من مراكز القرار العلمي والمعرفي والإداري...
مشفوعا له بوازع هاجس الرهبة والخوف من البعث الجديد لمشاريع النهوض
الوطنية القائمة على خلفية دينية وتتغذى من روح الترشيد الإسلامي. يقول
جلبير غرانغيوم في هذا السياق: " ولهذا السبب كان التعريب بمثابة توفيق
غامض بين هدفين متعارضين: تجديد الشخصية الإسلامية وضمان تحول البلاد... ."

و نرى في هذا السياق أنه لن يكون للغة الوطنية الرسمية أن تتطور خارج سياق
لغة القرآن الكريم، لأنه لا العامية المحلية (الدارجة)، ولا اللغات
الجهوية (اللهجات المحلية) – التي لا ننفي علاقتها الوطيدة بالعربية
الفصحى- قادرة على تطعيم وإمداد العربية الرسمية بمقتضيات التطور، لأنها
كلها فروع عن العربية الفصحى (وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى تبرير ولا
ينكرها إلا جاحد)، والفرع لا يقوى قوةَ الأصل بمحض الضرورة المنطقية. وتبقى
عربية القرآن هي المؤهلة لبعث الروح في العربية المعاصرة. وبالتالي تتطور
العربية تحت ظل مصدر الشرعية الجذري الذي هو الإسلام.
وعلى هذا الأساس، وفي ظل عدم إمكانية تحقيق نهضة وطنية محلية مهما كانت
علاقتنا بلغة الأجنبي (الفرنسية أو الانجليزية أو غيرهما) - والواقع يشهد
لذلك بما لا يدع مجالا للشك لكثرة التجارب في بلدان العالم الثالث، والتي
لم يكن حظها من الحداثة والتحديث و العصرنة بتبنيها للغة أجنبية وتخليها عن
لغتها الوطنية الأم سوى الاسم والشعار لا غير- والحال هته، يبقى الحل
الوحيد هو عدم إقصاء روح الشعوب بتغييب حقيقتها كأوطان إسلامية تشرَّبت
الدين وحمته ونشرته، وبه اكتسبت بطاقة الدخول لنادي التحضر والعمران،
وإنتاج المعرفة التي تتعدى معرفة إدارة الواقع المحلي البسيط إلى التنظير
لواقع الشعوب والأمم وخدمة المعرفة الإنسانية التي تتحدى الحدود وتعبر
الأمصار والقارات. فلم يكن الإسلام في تاريخه مع الشعوب التي انضوت تحت
لوائه سببا للتخلف ولا مدعاة للتقهقر والانزواء والانكماش، وإنما هو الذي
أخرج الشعوب والأمم التي اعتنقته - بشهادة التاريخ- من شعوب تعيش على الرعي
والترحال وانتظار ما تجود به السماء إلى أمم حضرية متحضرة ومثقفة، بل
ومصدِّرة للأفكار والمعارف والتجارب...

إن ملاحقة اللغة الوطنية الرسمية بالتنفير والتسفيه لصالح لغة الأجنبي
يتعدى حدود الرغبة العلمية والإطلاع والتطور إلى أن يفصح عن الحقائق ذات
البعد السياسي المتحكمة في هذا الاعتبار أو الادعاء. ويمكن أن نمثل لهذه
الاعتبارات - على سبيل الترميز لا التوسع والإحصاء - في النقط التالية :
أ‌- تبني لغة الآخر تمكينٌ سياسي وتحقيقٌ لنفوذ الآخر في البلد بحكم
المساعدات والدعم المادي و المعنوي الذي تقدمه الدولة الأجنبية صاحبة اللغة
المتبناة للفئات المبشرة والمتمكنة بلغتها في أوطانها. وهو نوع من الشرعنة
وبسط النفوذ وتمكين الهيمنة للأجنبي في التربة الوطنية.
ب‌- تبني لغة الآخر تحكم وامتلاك لقانون الرقابة رقابة الدولة الأجنبية على
الدولة التي تتبنى لغتها، بحيث تتم محاصرتها سياسيا وعلميا ومعرفيا
ووجدانيا... . فلا خلاص لها ولا حراك إلا بالإذن من الآخر. وتمكين لغته
تمكين لنفوذه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتربوي أيضا. وتحقيق
للتبعبية المطلقة الغير المشروطة، فلا حظ لمتكلمِ لغةِ غيرِهِ إلا بما سمح
به صاحب اللغة له على جهة التصدُّق والخيرية والتبرع، لا على جهة الحق
والواجب أو الاستحقاق. وبالتالي، لا تفكير خارج منظومة اللغة المتبناة.
فينقلب التمكين للغة الأجنبية في التربة الوطنية من مجرد انفتاح إلى شكل
من أشكال الانغلاق داخل عالم وطن قابل للرقابة، بحيث تمارس الدولة التي
تمكنتْ لغتُها في الوطن الجديد رقابة مباشرة وغير مباشرة على جميع
القطاعات المجتمعية في البلد، سواء تعلق الأمر بعالم الصحافة وسائل
الإعلام، أو مجموع أنشطة ومرافق الحياة العمومية، أو العلاقات الخارجية
للدولة. فينتقل الانفتاح إلى انغلاق داخل لغة الأجنبي بواسطة الرقابة التي
لا تسمح بأي علاقة مع الذات أو مع ثقافات أخرى يمكن أن تكون أحسن حالا
منها، فتهدد تواجدها وهيمنتها في هذا البلد، وهذا ما يلاحظ في واقع الدول
التابعة للفرونكوفونية، عندما تطمح إلى تحقيق علاقة بدرجة ما مع دولة من
الدول الأنجلوساكسونية (الناطقة بالانجليزية)، بحيث لا يسمح لها بذلك إلا
في إطار الحدود المرسومة دون الحمراء، والتي لا تسمح بتمكين أو توسع
للانجليزية لغةً وثقافةً على حساب الفرنسية.
ج- تبني لغة الآخر يصبح آلية ووسيلة للانتقاء الاجتماعي، بموجبه تقوم
الدولة الأجنبية بتصنيف أبناء المجتمع المحلي بشكل تفييئي: فهناك الفئات
الثقة (فئات الامتيازات) باعتبارها الحضن الحاضن لمشروع التغريب، والراعي
لتمكينه وتوطيد أركانه، والفئات غير المرغوب فيها التي يمكنها أن تشكل
تهديدا بطريقة أو بأخرى لمصالح الدولة الأجنبية. فتصبح الوظيفة والامتيازات
ومتابعة الدراسات العليا في أسلاك مطلوبة من نصيب فئة (أو شرائح اجتماعية
خاصة) دون أخرى لا بمحض الكفاءة إنما من منطلق الثقة.
ولم أجد في هذا الباب أبلغ تعبير عن حالة الأمة التي تتبنى لغة أمة أخرى
تحت أي لافتة مهما كانت ذرائعها مما قاله المرحوم الأستاذ مصطفى صادق
الرافعي في كتابه الذي توزن كلماته بماء الذهب "من وحي القلم"، وهو يتحدث
فيه عن بصيرة الذهن الثاقب الذي خبر حقائق واقع الأمم ، والوجهات التي تؤتى
منها الحضارات في كينونتها ووجودها ورصيدها الإنساني. يقول مصطفى صادق
الرافعي: "ما ذَلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ في
ذهابٍ وإدبارٍ ، ومن هذا يفرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَه فرضاً على
الأمةِ المستعمَرَة ، ويركبهم بها ويُشعرهم عَظَمَته فيها، و يَستَلحِقُهُم
من ناحيتها ، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ :
أما الأولُ : فحبْسُ لغتهم في لغتِهِ سِجناً مؤبداً .
وأما الثاني : فالحكمُ على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً .
وأما الثالث : فتقييدُ مستقبلهم في الأغلالِ التي يصنعُها ،
فأمرهم من بعدِها لأمرِهِ تَبَعٌ."
إن اللغة الأم تجسد المشروعية الجذرية للمحلي و التجذر الثقافي لقدرتها على
صهر الواقع المجتمعي بمختلف أطيافه في واقع منسجم ومحيط موحد تتجسد فيه
الأرضية الوطنية المشتركة، محيط يشتغل في كتلة مجتمعية تعمق تجربة متميزة
ولا تنفي التنوع، كما لا يسمح بالتمزق الاجتماعي.
إن هذه الحقيقة لا تنسينا مسؤولياتنا أمام لغتنا، فنحن على تمام اليقين أن
اللغة الو




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://albahito.alafdal.net
 
واقع اللغة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مــنــتـديات البــــــاحــث الأفـضــــــل  :: الباحث الأدبـــــــي واللســــاني :: . :: .-
انتقل الى: