مــنــتـديات البــــــاحــث الأفـضــــــل
مرحبا بك زائرنا الكريم في منتدياتك "الباحث الأفضل". ندعـــــوك للتسجيل والانضمام لأسرة "الباحث الأفضل" والمساهمة بآرائك. فحضورك دعم لنا وقيمة مضافة لمنتدياتنا.



 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  
إعلاناتكم هنا
المواضيع الأخيرة
» ديوان امرئ القيس
الثلاثاء أبريل 28, 2015 2:49 pm من طرف عبدالجبار

» alwasila lkobra
الثلاثاء يناير 20, 2015 2:52 pm من طرف زائر

» إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
الجمعة فبراير 28, 2014 10:07 am من طرف ابراهيم عثمان

» نــــورســــيـــدنا رســــول الله
الأربعاء فبراير 26, 2014 9:29 pm من طرف ابراهيم عثمان

» فضل الصلاة على حضرة سيدنا رسول الله
الثلاثاء فبراير 25, 2014 9:29 pm من طرف ابراهيم عثمان

» بشائر المحبين
الأحد فبراير 23, 2014 9:15 pm من طرف ابراهيم عثمان

» الاعجاز العلمى لسماع القرأن الكريم
الخميس فبراير 20, 2014 10:38 am من طرف ابراهيم عثمان

» الصدقة
السبت فبراير 15, 2014 8:50 pm من طرف ابراهيم عثمان

» الصيام المسنون
الأربعاء فبراير 12, 2014 10:51 pm من طرف ابراهيم عثمان

» لغة وفصاحته صلى الله علسة وسلم
الجمعة فبراير 07, 2014 9:45 pm من طرف ابراهيم عثمان

» نصائح لاجتياز الامتحان
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:57 pm من طرف مصطفى نبوي

» المراجعة الفعالة
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:55 pm من طرف مصطفى نبوي

» الأيام الوطنية والعربية والدولية
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:45 pm من طرف مصطفى نبوي

» النظام الداخلي للمؤسسة
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:43 pm من طرف مصطفى نبوي

» ورقة تعريفية ببعض القواعد الإملائية
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:41 pm من طرف مصطفى نبوي

» ميثاق الفصل الدراسي
الأحد سبتمبر 22, 2013 3:39 pm من طرف مصطفى نبوي

» الأولى باك علوم دروس+تمارين(تتمة)+ملخصات ذ.محمد شركي:مفتش اللغة العربية+الإمتحان الجهوي مع التصحيح (منقو)
السبت مايو 18, 2013 4:08 pm من طرف المدير العام

» تواريخ مباريات ولوج المراكز الجهوية للتربية و التكوين للموسم 2013/2014
السبت مايو 18, 2013 3:46 pm من طرف المدير العام

» مجموعة قصائد رائعة لمحمود درويش
الإثنين مايو 13, 2013 6:34 am من طرف المدير العام

» عاجل :النقابات التعليمية بزاكورة تدين الاقتطاعات من اجور الشغيلة و تدعو الشغيلة التعليمية الى سحب ارصدتها من البنوك جماعيا و تدعو الفروع النقابية الى الوحدة و التنسيق و تقرر خوض اضراب لمدة 48 ساعة ايام 15 و 16 ماي 2013
الأحد مايو 12, 2013 10:17 am من طرف المدير العام



شاطر | 
 

 في نقد خطاب الأصالة وعوائق التغيير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المــدير العام منشئ المنتدى
المــدير العام         منشئ المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 1009
نقاط : 2828
تاريخ التسجيل : 29/11/2011
العمر : 5
الموقع : http://albahito.alafdal.net

مُساهمةموضوع: في نقد خطاب الأصالة وعوائق التغيير   الإثنين مارس 12, 2012 7:40 pm

في نقد خطاب الأصالة وعوائق التغيير







عبد الإله بلقزيز


تقترن الدعوات إلى الأصالة والهوية وحفظ الشخصية الحضارية، وما
في معنى ذلك، بحالات وهنٍ في اشتغال الديناميات الاجتماعية -الثقافية
الدافعة نحو التقدم والتراكم والصيرورة، وتؤشّر على الميل- في حركة ثقافةٍ
أو مجتمع- إلى الانكفاء والتراجع في مواجهة أسئلة الواقع والتطور، أو في
مواجهة زحف التحولات المنهمرة على الاجتماع والوعي من دون انقطاع. لا تكاد
ثقافةٌ تعود إلى نفسها عَوْدَ المُسْتَمْسِك بمقدماته إلاّ متى اضطربت
صلاتُها بحاضرها والمحيط الحاضن، وامتنع عليها التفاعُل الخلاّق مع
المعضلات التي يطرحها عليها ذلك المحيط أو يحْملها على جَبْه بعضِها
والكُلّ. يتحوَّل الدّفاع الذاتي، أو الدفاع عن الذات، إلى ميكانيزم تكراري
لإعادة إنتاج الماهية والمعنى بسبب انقطاع الصلة بديناميات التغيير وطاقة
الخلق والتجديد. وأحياناً ما يقوم ذلك الدفاعُ الذّاتي مقام الإبداع
والمشاركة كديناميتين طبيعيتين يفترضهما كلُّ تطوّرٍ سائلٍ: أي غير محجوز
أو معاق، فيتبدَّى كفعلٍ من أفعال التعويض النفسي تستعير به الثقافة إياها
الممانعة السلبية صيغةً لتمديد كينونتها في سياقٍ مجافٍ ومناخ نابذ.
من المسلَّم به أن سؤال الأصالة لا ينبعث إلاّ في جوف الثقافات والمجتمعات
المكتنزة بالخبرة الحضارية، والذاهبة بعيداً في الاستلذاذ بالنفس
والمواريث إلى حدود النرجسية. ليس في مُكْن مجتمعاتٍ عديمة التراكم أو
ضعيفته أن تنتبه إلى نفسها وإلى عظيم رصيدها فتُعيد رؤية ملامحه في مرآة
تجربتها الماضية، إذ المجتمعاتُ التي من هذا النوع الغالبُ عليها أن تكون
مريضةً بالنسيان حيث الأخيرُ-في التعيين الفرويدي- دينامية سيكولوجية
دفاعية ضد ما ينجم الألم عن تذكُّره أو إعادة استدعائه في الوعي. لكن مشكلة
المجتمعات والثقافات المهجوسة بسؤال الأصالة أنها تعاني من ثقل حضور
التاريخ في يومياتها بدرجة شديدة أقرب ما تكون إلى الحالة المرضية، وتلك
حال الثقافة في المجتمعات العربية المعاصرة.
لا تُذْكَر الأصالةُ إلا في صلةٍ-بغير وصلٍ- بالحداثة والتغيُّر والصيرورة.
وإن كانت صلة تجافٍ وتعارُض. إذ لمَّا كانت الأصالةُ استدعاءً لموروثٍ
يجري الارتفاع به عن معدَّل الزمان والتاريخ وإرساله كمطلقٍ مُتَعَالٍ، كان
الانصراف عنها إلى غيرها فعلاً من أفعال التسليم بالحادث والطارئ،
وإسقاطاً للجواهر والماهيات، وإحداثاً غير مشروع في الطبائع، ومسخاً
للكينونة. لا تكون الأصالةُ إلاّ متى امتنعت عن أحكام التغيُّر؛ لأن
المتغيّرَ يلحَقُهُ فسادٌ، والأصالةُ صلاحٌ مطلق. ولا تكون الأصالةُ أصالةً
إلاّ في مقابل الحداثة. إذ الحداثة مُحْدَث وإحداث، وشرُّ الأمور
محدثاتُها لأنها في مقام البدعة كما يمكن للاستدعاء الدينيّ أن يُسْعِف
دعاة الأصالة بوصف نقيضها.
* * *
في كل مجتمع وثقافةٍ حيّزٌ من التعبير عن فكرة الأصالة يَضيق أو يتسع تبعاً
للظروف التي يقع فيها ذلك التعبير. الغالب على القول بها والتشديد عليه أن
يقع حيث تضطرب الأحوال وتنقلب الموازين ويجد الاجتماعُ السياسيُّ،
والاجتماع الثقافيّ، نفسه أمام موجاتٍ متدفقة من التحوُّل أو الاختلال بحيث
تهتز بها قواعدُهُ وترتعِبُ لها أنفُسُ الذَّابين على تقاليد الاستمرارية
فيه. لا تزدهر دعوات الأصالة حين تنتظم أحوال المجتمع والثقافة على إيقاع
تطورهما الطبيعي. يبدأ الإعلان عنها فقط حين يَعْرِض للتطور إيّاه خللٌ
فتدخل في جملة دينامياته عوامل طارئة (خارجية في الغالب) تهدّد بإحداث
تعديل في نظامه، أو في القواعد التي رسَت عليها حركيةُ الاجتماع والثقافة.
عَرَضَ للثقافة العربية -الإسلامية الوسيطة- شيء من ذلك التصدّع قادها إلى
تأسيس مقالةٍ في الأصالة مبكّرة، وإلى إبداء شديد التحسُّس من كل الأفكار
المحمولة على مراكب العقل والاجتهاد بظنّ أنها في جملة ما يعرض ثوابت
الجماعة والمِلَّة والثقافة للاهتزاز والانفراط. من يبتغي اليوم - ممتشقاً
سلاح التحليل الايبيستيمولوجي- أن يُنزل أحكام الإدانة بانكفائية أبي حامد
الغزالي أو ابن تيمية الحرّاني، مثلاً: عليه أن يستأنس بمعطيات ظرفيتهما
التاريخية التي قضت بتأسيس مقالتيهما السلفيتين، عَسَاه يلتمس لهما "ظروف
التخفيف" في الحكم عليهما. فحين يعاين مفكرٌ من طرازهما حال دولة دالتْ
خلافتها وتشظت ممالك صُغرى، وجماعةٍ ذهبت فيها مفاعيل الانقسام إلى حدود
الحرب الأهلية، و"دار إسلام" عادت من مغامرة الفتح واقتحام العالم إلى نقطة
دفاعٍ سلبيّ تخوض فيها قتالاً تراجعيّاً في مواجهة عدوّ على الأبواب، وفي
قلب الدار، كيف يحاسبُهما أيُّ نقدٍ بَعْديّ على فَرْمَلتِهما إيقاع
التجديد والاجتهاد والاعتصام بما أقَرَّهُ السلف وقَرُّوا عليه؟!
لا نلتمس عذراً لدعاة الأصالة، أو نبرّر لهم مذاهب قولهم فيها، إنما نحاول
أن ننقض "أسباب نزول" مقالة الأصالة في تاريخنا الثقافي والباعث عليها في
لحظات معلومة من ذلك التاريخ. على أن إعادة فهم وحتى -"تفهُّم"-سياقات
التعبير عنها ليس يبرّر الإعراض عن نقدها ونقد التمذهب بها، لأن في ذلك
النقد ما يُميط الحجاب عن الممكنات الأخرى التي انصرف عنها دعاة الأصالة
إلى دعواهم، والتي كان في مُكِنها أن تؤدّي وظيفة الممانعة الإيجابية دونما
تغريم المجتمع والثقافة بغرامة الانكماش والانكفاء والتشرنق على الذات.
أصالة النهوضيين
دشَّن القرن التاسع عشر عهد اتصال العرب والمسلمين بتاريخ غير تاريخهم
وبقيمٍ وأفكارٍ ومنظومات من غير معهودهم. هدمتهم مدنيَّةُ أوروبا الزاحفة
ووضعت مجتمعاتهم وثقافتهم موضع دفاعٍ مستحيل, أو أشبه ما يكون بذلك. كان
يمكن لنخبهم الفكرية أن تتعوَّذ بمدوَّنتها الموروثة من شرور المدنية تلك
والأفكار الوافدة في ركابها، فتنسحب إلى خطوطها الدفاعية الخلفية (=التراث)
متحصّنةً متخندقةً لتمنع نفسها. لكن ما أحسن حظَّها إذ اختارت غير هذا
السبيل لتجبه تحدّي الحداثة الوافدة المحمولة على ركاب الجيوش الغازية.
قبلت التحدي وطفقت تبحث في حداثة أوروبا, عما أسَّس لها وأسَّس لشوكة هذه
المدنية الظافرة الجديدة. لم تُعرِض عن موروث أفكارها وعقائدها ولا عَرَضته
على نقدٍ تشكيكي، لكنها -في المقابل- لم تستذرع به حجةً لتأبى بناء الصّلة
بالأفكار الجديدة التي اصطدمت بها حين هدمتها الحداثة الغربية. والأهمّ،
فيما أقدمت عليه تلك النخب الفكرية النهضوية، أنها ألفت في ثقافة أوروبا
أجوبةً، أو موادَّ لأجوبة، عن إعضالات التأخر والانحطاط وأسبابها العميقة:
انسدادُ باب العقل والاجتهاد والإغراقُ في ثقافة الحواشي والمختصرات،
استبدادُ الحاكم السياسي وجورُه، توقُّف العلم وتخلف أساليب تحصيل المعاش..
إلخ. وكان ذلك يكفيها (=النخبة) كي تضرب بأيديها إلى معارف الأوروبيين
وتجربتهم في بناء مدنيتهم.
وكم كان دالاًّ ذلك الجهاز المفاهيمي الذي استخدمه نهضويو القرن التاسع
عشر للتعبير عن مشروعهم الفكري-الاجتماعي، حيث مفردات/ مفاهيم: العقل،
الاجتهاد، الإصلاح، التنظيمات، الترقّي، التمدن، التقدم..؛ الذي كان شديد
الدلالة على أن فكرهم تأقلم تماماً مع فكرة التغيير الثقافي والاجتماعي،
وخاض غمارها دون تردُّدٍ مدافعاً عن العقل والعلم والحرية والعدل والدستور
في مواجهة حال الانحطاط المستمر. وكان شديد الدلالة على أنه ما تحرَّجَ من
إبداء أوسع انفتاحٍ على فكر الغربيين ونموذجهم الحضاري. كان عليه أن يقيم
بعض مسافةٍ مع كثير من الموضوعات الفكرية في أوروبا، كالموقف من الدين
مثلاً، وكان عليه أن يبرّر حماسته لنموذج المدنية الغربية بالقول إنه ينتهل
مبادئه من مبادئ الإسلام، لكنه لم يتلفت كثيراً إلى المناهضين لدعوة
الإصلاح، المشكِكين في شرعيتها الدينية، مكتفياً بالنظر إلى مناهضتهم من
حيث هي غطاء لحماية مصالح لهم يهدّدها الإصلاح(1) ما شكَّ إلا نفرٌ قليل(2)
في أصالة مفكري النهضة المحدثين وحُسِن وفائهم لمبادئ دينهم وثوابت
حضارتهم. ومع ذلك، نَدَرَ أن تعثُرَ على أحدٍ منهم مدافعاً عن الأصالة في
وجه التقدم والتغيير. وإن حصل ذلك وهو يحصل لماماً - كما في سجال الأفغاني
مع الدهريين أو كما في بعض ردود محمد عبده على فرح أنطون - فلا يكون الدفاع
عن الأصالة في مقابل حداثة أو مدنية حديثة تُنبَذ، وإنما في مقابل نزعة
التغريب عادةً: التي رأى فيها النهضويون الإصلاحيون خروجاً صريحاً عن معنى
المعاصَرَة نفسه وتقليداً رثّاً للآخر، والحال إن الأخذ عن الغربيين ليس
يشترط إنكار الذات ومَحْوَ شخصية الحضارة التي انتسَلَتْ من سُلالتها فيما
يرون.
هذه لحظةٌ نهضوية عربية لم ينكفئ مفكروها إلى الماضي والتراث والذات
لِيرجموا العصر والعالم بأقذع الأوصاف والشتائم، مُتمترسين وراء فكرة
الأصالة. بل هي اللحظة التي أمكن فيها -لأول مرة- إعادة بناء مفهوم الأصالة
نفسه: لا بوصفه يرُدُّ إلى منظومةٍ مرجعية(فكرية، اجتماعية، قيمية...)
مغلقة وثابتة ومطلقة، بل بوصفه يغتني بجديدٍ يعيد به إنتاج نفسه، أي على
النحو الذي لا تكون فيه الأصالة رديفاً للماضي، وإنما قرينة على الحاضر
وعلى المستقبل أيضاً. ولقد قصدنا أن نتحدث عن عينةٍ محدّدة من أولئك
النهضويين هي التي تجمَع من سُمُّوا إصلاحيين، إسلاميين، ولم نُدرج فيها من
عُرِفوا بالليبراليين، لأن موقف الأخيرين شديدُ الاعتراض على مبدأ الأصالة
من حيث الأساس. أما هدفنا، فكان بيان كيف أن المُفتَرَض فيهم أن يكونوا
دعاة أصالة ما انزلقوا في تلك الدعوة، ولا استُدْرجوا إلى شرانقها، وإنما
جهروا بدفاعهم عن التغيير والتقدم.
من المؤسف أنه ما قُيّض لهذه اللحظة النهضوية التجديدية أن تستمر لفترات
أطول. أتت عليها معاول الطوارئ السياسية فدمَّرت عمرانها: سقطت البلادُ
العربية في قبضة الاحتلال الأجنبي، وتجزَّأت أقطارٌ منها إلى دويلات،
وأُطيحَ بالخلافة العثمانية وأُلغي المنصبُ جملةً فبات حتى الذين دافعوا عن
بعض من رأوا فيهم قوى التقدم والتغيير ("حزب الاتحاد والترقي" ومصطفى كمال
أتاتورك...)، مثل آخِر الإصلاحيين محمد رشيد رضا، أدعَى إلى الانشقاق عن
التراث النهضوي الانفتاحـي(3)، والانكفاء إلى موضوعة الأصالة كما في دفاعه
عن الخلافة -بدلاً من الدولة الوطنية الحديثة- في كتابه: الخلافة أو
الإمامة العظمى(4). بدا حينها كما لو أن الوازع وراء فكرة التغيير والتغيير
الثقافي ارتفع حين خرج التغيير من يد -أو من سلطة- الأمة ومفكريها ليُصبح
سلاحاً وفعلاً يقوم به الأجنبي. كان ذلك -إذن- إيذاناً بنكسة كبرى لفكرة
التغيير تلك ومدخلاً إلى موقفٍ دفاعيّ جديد مُتحصّن وراء متراس الأصالة،
ولكن هذه المرة كإيديولوجيا.
إيديولوجيا الأصالة
آذن ميلادُ الإحيائية الإسلامية وتدفُّقُ تأثيراتها الفكرية، بدءًا من
ثلاثينات القرن العشرين الماضي، ببداية التأسيس "الفكري" للأصالة بوصفها
إيديولوجيا. انتقل الوعي العربي سريعاً من "اليقظة" إلى "الصحوة". وإذ
عَنَت اليقظة خروجاً من سباق مزمن أضاع فيه العرب والمسلمون موعدهم مع
التاريخ، واكتشافاً ذهولاً للفارق الحضاري الذي يفصلهم عن أمم العصر الحديث
ومدنيته الصاعدة الزاحفة، عنت الصحوةُ الخروج من غفلة المسلمين عن دينهم
وموروثهم الثقافي والحضاري، فكأنهم كانوا عنه ساهين في غمرة انغمارهم في
مدنيات غيرهم، أو كأنما يعانون من نقص حادّ فيه. يقظة الأوَّلين
(=النهضويين) خروجٌ من قيود موروثٍ كابحة، وصحوةُ الأخيرين (=الإحيائيين)
عَودٌ إلى ذلك الموروث والماضي، وبحثٌ عن ملاذٍ فيه: فكراً ومثالاً
ومرجعاً. الماضي عند الأولين ليس كُلَّه صلاحٌ وازدهار، وفيه ما يحمل
المسلم على إعمال التصحيح والنقد والمراجعة لمسؤوليته فيما إليه آلت الأمة.
أما عند الأخيرين، فمثالٌ يُحتذى ومَخْزنُ أجوبةٍ لا تنضب عن مسائل
المسلمين في كل زمانٍ ومكان...
نحن، إذن، أمام مقالتين شديدتي التبايُن: واحدةٌ تدفع في أفق مصالحة
الإسلام مع العصر، وإطلاق سلطان العقل، وفتح الأبواب أمام ثقافات الآخرين
للانتهال مما هو مفيد منها، والأخرى تسعى في دقّ الأسافين بين الإسلام
والتقدم، وتكريس سلطان النصّ، وإغلاق الأبواب والمنافذ أمام معارف غير
المسلمين وعدّها شرّاً مستطيراً. تنتمي الأولى إلى حقبةٍ تطلَّع فيها العرب
إلى المشاركة في البناء الحضاري الإنساني، والانتماء إلى حركة التقدم،
وترتبط الثانية بلحظة الانكسار والهبوط التي أعقبت سقوط بلادهم في قبضة
الاحتلال. لذلك طبع فكر الأولى إقدامٌ ومراجعة وطبع الثانية إدبارٌ
وممانعة.
منذ النصوص التأصيلية للخطاب الإحيائي مع حسن البنا وعبد القادر عودة،
مروراً بسيّد قطب ومحمد الغزالي ومحمد البهي ومحمد المبارك وتوفيق الشاوي،
ويوسـف القرضاوي وصـولاً إلى محمد عمارة وطارق البشري وحسن الترابي وعبد
السلام ياسين وطه جابر العلواني وطه عبد الرحمن..، انتظم خيطُ اتصال وتواصل
بين معطيات الفكرة الأصالية -في تمظهراتٍ وتعبيرات مختلفة منها- إلى حيث
تكوَّنت منها منظومةٌ إيديولوجية سرعان ما أمكن ترجمتها إلى موقفٍ، بل إلى
مشروع، اجتماعي- سياسيّ أتت الحركاتُ الأصولية المعاصرة تمثله وتعبّر عنه،
مثلما أتت تُقَدم له فرصة الفشوّ والتعمُّم عبر منابر التعبئة والدعاية
وميادين التأثير والحراك السياسيَّين.
تستوقف القارئ في نصـوص دعاة الأصالة موضوعاتٌ ثلاث تشكل منطلقاتٍ "نظرية" رئيسة لإيديولوجيا الأصالة عندهم:
تقرر الموضوعة الأولى تفوق الإسلام على غيره من العقائد والنظم الاجتماعية
والسياسية في الموارد والإمكانيات التي يقدمها إلى المنتسبين إليه(5). وهو
تفوُّقٌ يبرّره مركز أمة الإسلام بين الأمم الذي نُصَّ عليها قرآنياً
كاصطفاء للذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(6). وتقّر الموضوعةُ
الثانية أن مدنيَّة الغرب آيلة إلى اندحارٍ وانحطاط(7) مادي وخلقي(Cool بسبب
طبيعتها اللادينية (=اللائيكية)(9). أما الثالثة، فتذهب إلى القول بعدم
حاجة المسلمين إلى "الآخر" (=غير المسلم) في أمور اجتماعهم المادّيّ
والمعنويّ لأن في موروثهم الثقافي والعقدي والحضاري ما يُشبع حاجاتهم
الحاضرة والمستقبلية، فيستكفون به عن طلب غيره من غـيرهم. وإذ ذهبت
إيديولوجيـا الأصـالة إلى التـشنيع على مـدنية "الآخر" وثقافـته(10) ووصمها
بـ"الجاهلية"(11)، انتهت إلى تأسيس رؤية نرجسية إسلامية تستعيد ذاتاً
حضاريةً -استعادةً نوستالجية- لتأسيس مستقبلٍ عليها.
جوهر إيديولوجيا الأصالة مدافعةُ الهوية والأنا الحضارية (الثقافية،
الدينية، القيمية) نفسها في مواجهة نقائضها. وليست نقائضُها سوى ما ليس هي،
أي ما لا يدخُل في حوزة كينونتها كوعيٍ ذاتي مطلق، ومنه الغرب وثقافتُهُ
ومدنيَّتُه وقيمُهُ ونُظمهُ المعيارية. ومع التسليم بأن إشكالية الهوية في
وعي الأصالية الإحيائية إنما خرجت من رحم لحظةٍ اجتماعيةٍ -سياسيةٍ شديدة
الوطأة على تماسك الاجتماع العربي (الإسلامي) غداة نجاح الجراحة
الكولونيالية لنسيجه الكياني وانبعاث تياراتٍ فيه، نُظِرَ إليها وإلى
"تغريبيتها" بالكثير من الريبة والتوجُّس، إلاّ أنها لم تلتزم مواقعَها
الدفاعية المفترضة لتمارسَ ممانَعَةً ربّما كانت مشروعة أو -على الأقل-
مفهومة، بل تقدَّمت نحو ترجمة هُجَاسها من الغرب وحداثته وقيمه عداءً
صريحاً وتحريضاً واشتباكاً سرعان ما وَجَدَ من ينتدب نفسه للتعبير عنه
سياسياً بل قتالياً!.
انتهت إيديولوجيا الأصالة إلى ضفافٍ غير مأمونة: إذ انتقلت من الدفاع عن
الهوية في وجه الأجنبـي إلى الهـجوم عليه باسم الجهاد. وكان ذلك ثمرة
انتقالها -"فكرياً"- من ثنائية الأنـا والآخر إلى "الفسطـاطين" أو إلى
ثنائية"دار الإسلام" و"دار الحرب"، ثم لم تلبث أن دارت الحربُ لتطحن الوطن
والأمة! شيئاً فشيئاً ماعادت الأصالةُ فكرةً دفاعية مسالمةً وديعة: تطلب
حفظ النفس أو الذود عن وجودٍ يتهدَّده المحو الحضاري والثقافي من خلال
العَوْد إلى الذات والتشرنق عليها، باتت أبعد بكثير من هذا المعنى: غزواً
للعالم واقتحاماً لا يطلب أقل من إخضاعه للأنا المجروحة وجعله محكوماً
بمنطق الأصالة ذاتها! قل هُوَ شيئ قريب من "عولمة الأصالة" أو إمضاء
أحكامها على العالمين!.
ربَّ قائل إن فكرة الأصالة، في "أصولها" الإحيائية المعاصرة، لم تكن
لتتحمَّل كلَّ هذه المآلات، وإنما زيد على مقدماتها مزيداتٍ ليس من نسلها
ولا مما في جوفها من ممكنات، وإن أخذ الفكرة بجريرة أفعال المقالة
"الجهادية" والتكفيرية إنما يُجافي طبيعة الفكرة نفسها ويستدخل في منطق
تطورها معطيات أو ديناميات برَّانية عنها. ولعمري إنه استدراك اعتراضيّ
مردود، لأن التكفيرية الجهادية ليست حادثة سير مفاجئة، ولا هي فطرٌ
وطفيليات نبتت عشوائياً في حقل بكر لم يزدرعه أحد، بل أتت ثمرة فلج وازدراع
في حقلٍ وتُربةٍ من الأزمة والانسداد وضيق للوعي خصيبين. وآيُ ذلك أن في
نصوص الإحيائية الأولى ("التأصيلية") جراثيم لتلك المآلات: فيها قولٌ نكير
على الغرب؛ وفيها دعوةٌ جهيرة إلى معالنته العداء؛ وفيها تحريض عليه وعلى
قيمه، و"تبشير" للمسلمين بجندٍ منهم يقتحمون حصونه ويهزمون قيمه في عقر
داره ويدفعونه بالقوة إلى أن ينضوي في دائرة الإسلام ويدين بتعاليمه(12).
* * *
وصفنا خطاب الأصالة بالإيديولوجيا ولم نعتبره فكراً لأن معطياته ليست
متأسسةً على نسقيةٍ معرفية، والأعم الأغلب من موضوعاته مواقف دفاعية ضد
خطابٍ متماسكٍ (هو خطاب الحداثة الغربية) أو هجومية وصفية (تقريعية). إنه
دعوة إلى شكلٍ ما من التحزب الذهني والوجداني أكثر منه دعوة إلى معرفة
نظرية. ولذلك سَهُل تسييسه وتجنيدُه في مشروع الأصولية الإسلامية المعاصرة.
نجدّد تنبيهَنا إلى الحاجة الموضوعية إلى قراءةٍ مُنصفةٍ له تُعيد تمثل
موضوعاته في اتصالها بالشروط الاجتماعية-السياسية التي أنتجته، وقضت
بكينونته خطاباً انكفائياً سلفياً سلبياً؛ لكن هذا التنبيه ليس مدعاة إلى
تبرير نكوصيته أوالتماس الأعذار له(13) في ما أفضى إليه من عظيم النوائب
على صعيد عقل المسلمين واجتماعهم. لذلك وجَبَ نقدُه.
مفارقات الأصالة
تغرينا مفارقاتُ خطاب الأصالة(الإيديولوجي) بنقد بعض أظهر وجوهها تبيُّناً للمتأمّل فيها القارئ في الخطاب.
ونقتضب منها -على سبيل التمثيل- وجوهاً أربعة:
أولها: لا تاريخية مفهوم الأصالة. إنه لا ينصرف إلى تعيين نمطٍ من المعرفة
والاجتماع مرتبطٍ بحقل نظريّ وتاريخي (اجتماعي-سياسي) محدَّد ومحـدود
بزمنيته، بل يميل إلى حسبانه النظام المرجعي الوحيد للمعرفة والعمران
الإسلاميين: عليه أن يعيد إنتاج نفسه دائماً حتى تتحقق ماهية المجتمع
الإسلامي. يحيل مفهوم الأصالة -هنا- إلى معنى ارتداديّ، أي ترتد فيه -أو
يجب أن ترتدَّ فيه- كل تواريخ الاجتماع الإسلامي إلى لحظةٍ مرجعية هي
الأسُّ والجوهر من ذلك التاريخ. وما ليس يُشبهُها من تواريخ لاحقة يخرج عن
نطاق التاريخ، أعني: عن نطاق ماهية ذلك التاريخ الخاص بالمسلمين. لنقُل
إذن: إن خطاب الأصالة خطاب ماضويّ. يؤسّس معيارية خاصة مختلفة لمعنى التطور
والتقدم، بمقتضاها لا يكون التقدُّم انتقالة -كمية ونوعية- إلى الأمام،
على ما هو مألوف ودارج في مقالات أهل التاريخ والاجتماع والمعرفة، وإنما
انتقال عكسيّ إلى الوراء! هكذا تتحول السيرورة (Processus) إلى تراجع
والصيرورة (=المآل) إلى البدايات، إلى النواة التأسيسية. يصبح مستقبلنا
-بهذا المعنى- ماضينا، ووفاؤنا التحرفيّ لهذا الماضي أقومُ سبيلٍ إلينا إلى
المستقبل. أمَّا إن حاد المستقبلُ عن خطّ "التطور نحو الماضي"، فيؤولُ إلى
"جاهلية" متجدّدة، لأن كلَّ تاريخ غير تلك اللحظة المرجعية "جاهلية":
تقدَّمت في الزمان أم تأخَّرت!
الأصالةُ مطلق يرفع لحظتها المرجعية فوق سائر أحكام الزمان والمكان
والحوادث الواقعة فيهما، أو قل إنها مطلقية (Absolutiste) لا تقبل تنسيباً.
يرفعُ هذا التعيين منها (لنفسها) نفسها إلى نصاب الحرم! إنها أشبه ما تكون
بالمقدس أو قل بهذه المثابة. والتعريض بها -ولو بغير عنفٍ لفظيّ- انتهاكٌ
جَلَلٌ للأمر الحرام يتبعُهُ ما يتبعُهُ من توابع، وإلاّ فهو (=التعريض)-
عند ظروف التخفيف على قول رجال القانون- فعلٌ من أفعال التبديع، ومن أتاه
فَمِنْ أهل الضلالة يكون. ولا تكون الأصالة قرينةً على الماهية الممتنعة عن
الجحود والنكران إلا متى تسلَّحت بأمضى سلاح يحمي مقالتَها، وسلاحُها ذاك
ليس شيئاً آخر غير النصّ (الديني) مقروءًا بنصيته. ولكن، إذ تصفح الأصالة
(الإسلامية) نفسها بالنصّ، وتذود به عن نفسها في مواجهة غارات النقد عليها
لتُبطله، تُكرس النزعة النصية في فهم تراثنا وتبطل فعل النظر والاجتهاد،
فترتكب بذلك جنايتين: التوسُّل الانتهازي بالنصّ الدينيّ لمنع نفسها
(=الدفاع عن نفسها) من النقد، وتكريس ثقافة نصية تمجُّ العقل وتئدُ
التفكير!.
وثانيها: -ويرتبط بالوجه الأول- اختراع معنىً أصوليٍّ للأصالة. فإذ تُحْسب
الأصالة وفاءً للمنظور إليه أصيلاً (في المجتمع والوعي)، لا يُدركُ الأصيل
ذاك في سياقاته ودينامياته الذاتية -والتاريخية- بل يُنتزعُ منها انتزاعاً
لئلاَّ يُشك في أصالته، أي في ثباته ومُطلقه عند القائلين بها. لا بدَّ من
تعريفٍ أصوليّ للأصيل، في خطاب الأصالة، حتى لا "يتلوَّث" بمعنى آخر
يغايرُهُ وإن كان ذلك المعنى -وهو كذلك- مما يُحايث تكوينَهُ ويدُلُّ عليه.
ولسبب لا نجهلُهُ، يتجاهل الأصاليون أن ما يحسبونه أصيلاً إنما كان جديداً
حين ظهوره، وربما كان -في وعي جمهورٍ في ذلك العهد- بدعةً أوشيئاً بهذه
المثابة لأنه لم يكن من عمل أهل المدينة ولا أخذ به في الصدر الأول. ماذا
نقول اليوم في أصول التشريع الإسلامي-في علم أصول الفقه- وهي التي في عداد
بضاعة الأصالة عند من يناهضون القانون الوضعي اليوم: أليست في جملة جديد
ابتدعه العقل الفقهي الإسلامي في غياب صريح النصّ، وقرَّ عليه المسلمون في
جميع أعصُرهم وأمصارهم على اختلاف مذاهبهم؟ هل نشك في أصالتها لأنها ممّا
لم يكن في العهد الأول(14)؟ ثم ماذا نقول؟ في فتوح المسلمين بعد عمر: على
عهد الأمويين مثلاً، هل نخرج الأمصار المفتوحة -عنوةً أو صلحاً- من "دار
الإسلام" لأنها لم تقع في سلطان المسلمين في الصدر الأول؟ وقِس على ذلك.
لا يفعل دعاةُ اللأصالة سوى أنهم يخترعون معنىً ينسبونه إلى حركة ثقافية،
(اجتماعية، سياسية) أتت تُمثل تغييراً عميقاً في القيم والبُنى والعلاقات
والمؤسسات، ولم تكن خاتمة مطاف التغيير والتقدم في مسار الثقافة والاجتماع
والأمة. إن تحنيط تلك المنظومة المرجعية واحتباس التفكير في نطاق معطياتها
رديفٌ إيديولوجي لفكرة "نهاية التاريخ" التي "بشَّرت" بها الأصولية
الليبرالية (الليبرالية البحتة) الأمريكية الجديدة(15).
وثالثها: مذهبيةُ مفهوم الأصالة واستواؤهُ على معنىً يجافي ما يظنُّ أنه
معناه الأصلي عند من يقول به. فقد يُقال إن في اجتماع الأمَّة وثقافتها
ثوابتَ عبر التاريخ هي مخزن الأصالة. وقد يصحّ ذلك إن كان قُصِدَ به
الثوابتُ العَقَدية الإسلامية(16). ولكن، ماذا بعد هذه الثوابت ممّا ليس
مَوْضعَ إجماع، بل مما يعتري النظرَ فيه من تعدُّدٍ في الرأي واختلاف؟
فالشيء لا يكون أصيلاً إلاّ متى وقَع الإجماع على أنه أصيل، وليس ذلك مما
تأتَّى أمرهُ في تاريخنا الوسيط والحديث. وحين لا يكون إجماعٌ على أصالةٍ،
فلأنَّ فريقاً أو أكثر يتمّ في الأمر رائحة إحداث(=ابتداع) تمنعه من
التسليم بأصالته وأصوليته. هل تسلّم الأشعريَّةُ -وهي الغـالبية الغالبة في
العقيدة اليوم- بأصالة الكلام المعتزلي في الذات والصفات والقضاء والقدر
بحيث يكون العودُ إليه تمسُّكاً بأصالةٍ؟ هل الجعفرية أصيلة عند الحنابلة
أوالحنبلية أصيلة عند أتباع فقه الإمامية؟ هل التخلّي عن الجزية عند فقهاء
الإسلام المعاصرين يقع في باب نقض الأصالة وإسقاطها؟ هل حرمان المرأة من
حقّ المشاركة السياسية شيءٌ في باب الأصالة؟ هل رفض إيداع الأموال في
البنوك بفائدة ينتمي إلى الأصالة؟.
لا أصالة في القول بذلك باسم الأصالة. نخالها مضاربة إيديولوجية تلك
العصبية المذهبية لفكرة الأصالة ضدَّ من يفترضون أن التقدم
مصلحةٌ(والمصلحةُ من الدين)، أي ضد من يتهمهم دعاةُ الأصالة بالانشقاق
الثقافي والحضاري والتغربُن والتقليد أو التبعية للنموذج الثقافي
والاجتماعي الغربي. والأدهى والأمرُّ أن أولئك الذي يرجُمون العقل الغربي
ويكفّرون من أخذ ولو بقليلٍ من مبادئه هُم أنفسهم من يُمعن في استهلاك
منتجاته السلعية والتقنية بغير حرج(17)! هل من صلةٍ لذلك بالأصالة؟ ما
ظنُّنا في فعلهم إلاّ أنه فصل في باب التقاطُع: وهو مرذولٌ شرعاً لأنه صنوُ
المفاصلة.
أما رابعها: فمعاداة خطاب الأصالة للتقدم والتغيير (الثقافي، الاجتماعي).
فإذ يلتزم موقف الرفض القاطع للانفتاح على العالم، ولمبدأ التثاقف
(=التبادل الثقافي)، يحكم على نفسه بالانسحاب من التاريخ الإنساني والتقوقع
على الذات، واجترار الموروث من دون تحيينٍ وتأرخة، والإمعان في الادّعاء
السادر بامتلاك الحقيقة المطلقة وغناء النفس عن معارف الآخرين وتجاربهم!
والأدعى إلى القلق حين تتحول هذه العقيدة الإنكفائية من مجرَّد هلوساتٍ
ذهنية إلى إيحاءات سياسية، بل إلى ممارسات مادية وخيارات برنامجية في ميدان
الحَرَاك السياسي. وهوما شهدنا مثالاتٍ له في عمل الإسلامية السياسية في
السنوات الثلاثين الأخيرة، والعشر الأواخر منها على وجه التحديد. أما حين
يصل صدى تلك الأفكار إلى السلطة -ولا مِرْية في أن تجربة سلطة حركة
"طالبان" في أفغانستان أعلى تمثيلٍ ميدانيٍّ لها- فعلى الرُّشدِ السلام!
عندها لا تعود الأصالة مجرد إيديولوجيا نكوصية، ارتدادية، بل برنامج عملٍ
للجمود الحضاري والتصحُّر العقلي.
خطاب الأصالة هنا ليس شيئاً آخر غير خطاب الهزيمة النفسية القاسية أمام
الحضارة والتاريخ. ينجح في بناء قلاع وحفر خنادق مع العالم بدل بناء
جسور(18)، لكنها -قطعاً- القلاعُ التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها والذَّود
عن حياضها. قد تؤذي العالم إن جنحت إلى الهجوم طريقةً للدفاع، لكن الأذى
يقع على الوطن والأمة. هل كانت "غزوتا نيويورك وواشنطن" شيئاً آخر غير
هذا؟!
لا يبدأ تاريخ التقدم والحداثة إلاّ من نقد الأصالة وبيان لا أصالتها. فمتى ندشن مرحلة نقدٍ معرفيّ رهين لمقالةٍ إيديولوجية ضحلة؟.
**********************
الحواشي
عبدالإله بلقزيز








- أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين. الكويت، المركز العالمي للكتاب الإسلامي، (د.ت).
- وراجع تمثيلاً لها في التأليف الإسلامي (العربي) في سيد قطب: الإسلام
ومشكلة الحضارة (القاهرة؛ بيروت، دار الشروق، ط11، 1992م)، و: معركة
الإسلام والرأسمالية (ط13، القاهرة؛ بيروت، دار الشروق، 1993م).
(9) راجع في هذا: Abdessalam Yassine: Islmiser la Modernite Rabat Al Ofok impressions, 1998.
10- يقول حسن البنا: "...لا عذر لنا إن جانبنا طريق الحق: طريق الإسلام،
واتبعنا طريق الشهوات والزخارف: طريق أوروبا. وفي طريق أوروبا زينة وبهرج،
وفيه لذائذ وترف، وفيه تحلُّل وإباحية...". م م ص، ص73. وهو يدعونا إلى أن
"نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع
والشهوات...".المصدر السابق، ص99.








1- ذلك ما نستفيده -مثلاً- من قول خير الدين التونسي رداً على القوى
المناوئة للإصلاح "ومن العوائق للتنظيمات-وهو أعظمها- تعرض بعض المتوظفين
في تأسيسها وإجرائها لما لهم في تعطيلها من المصالح الخصوصية، التي منها
دوام تصرفاتهم في الخطط بلا قيد ولا احتساب". خير الدين التونسي: أقوم
المسالك في معرفة أحوال الممالك. ط.ج، تونس، الدار التونسية للنشر،
الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1972م، ص151 (التشديد مني).
2- راجع مثالاً: لهذا الشك في عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية
العلمانية، ط2، طنطا: دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، 1985م.
3- راجع في هذا: عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، ط2،
بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004م، الفصلان4 و 5 من الكتاب.
4- محمد رشيد رضا: "الخلافة أو الإمامة العظمى" مباحث شرعية سياسية
اجتماعية إصلاحية، القاهرة، مطبعة المنار (1922م). وقد أورد نصَّه كاملاً:
وجيه كوثراني، الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في
تركيا -رشيد رضا، علي عبد الرازق، عبد الرحمن الشهبندر: دراسة ونصوص. دراسة
وتقديم وجيه كوثراني.بيروت: دار الطليعة، 1996م, (سلسلة التراث العربي
المعاصر).
5- "ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد
وعواطف ومشـاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة". حسن البنا: مجموعة
رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. بيروت، المؤسسة الإسلامية للطباعة
والصحافة والنشر (د.ت)، ص60.
6- ﴿كنتم خير أمة أُخِرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾سورة آل عمران, الآية 110.
7- "إن مدنية الغرب التي زهت بجمالها العلميّ حيناً من الدهر، وأخضعت
العالم كله بنتائج هذا العلم لدوله وأممه، تفلس الآن وتندحر، تندك أصولها
وقواعدها..." حسن البنا, مرجع مذكور سابقاً، ص59.
8- راجع أمثل تعبيرٍ عن هذه "الأطروحة" في الدائرة الإسلامية غير العربية:
11- يراجع في هذ المعنى محمد قطب: جاهلية القرن العشرين. بيروت، دار الشروق، 1994م.
12- في نص للشيخ حسن البنا- يقرُّ فيه بأن مهمة "الإخوان المسلمين" ليست
دفاعيــة (ضد مدنية الغرب) بل هجومية أيضاً- نقرأ: "ما مهمتنا إذن نحن
الإخوان المسلمين؟ أما إجمالاً، فهي أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من
مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها
عن زعامة النبي (ص) وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخَّرت
تقدُّمه مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا. ولسنا
واقفين عند هذا الحدّ، بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقـر دارها، حتى
يهتف العالم كله باسم النبي (ص)، وتوقف الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينتشر
ظل الإسلام الوارف على الأرض". مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسـن البنا، م م
س، ص99.
13- الظروف الموضوعية التي نشأ فيها خطاب الأصالة هي عينها التي شهدت
ازدهار أفكار التقدم وتياراته: الليبرالي والقومي واليساري، والأخيران
مناهضان للغرب (=الغرب السياسي وأحياناً الغرب الثقافي كما في حالة
الماركسيين العرب المناهضين للثقافة البرجوازية والنظام الليبرالي). فكيف
نبرّر للأصاليين نكوصيتهم للأسباب والعوامل عينها التي دفعت الآخرين إلى
مواجهة الاستعمار والغرب بطريقة أخرى غير القطيعة الكاملة مع منظوماته؟!.
14- ردَّ ابن رشد على من ناهضوا المنطق بتعلَّة أنه بدعة قائلاً: "وليس
لقائلٍ أن يقول إن هذا النوع من النظر في القياس العقليّ بدعة، إذ لم يكن
في الصدر الأول. فإن النظر أيضاً في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استُنبط
بعد الصدر الأول وليس يُرى أنه بدعة. فكذلك يجب أن يُعتَقَد في النظر في
القياس العقليّ". (ابن رشد: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من
الاتصال. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999، ص89. ومعاناة ابن رشد
مع المعادين للفلسفة والعلوم العقلية -المستندين إلى تكفير الغزالي
للفلاسفة في القضايا الثلاث الشهيرة: قِدَم العالم، علم الله بالجزئيات،
المعاد (راجع: أبو حامد الغزالي: تهافت الفلسفة)، هي عينُها معاناة
العقلانيين العرب المعاصرين مع التكفيريين الجُدُد، مع فارقٍ أن ليس في
الأخيرين حجة إسلامٍ كالغزالي.
15- شبيهٌ هذا التواؤم بيـن إيديولوجيتي الأصالة ونهاية التاريخ بالـتلاؤم
بين "صدام الحضارات" عند صمويل هنتنغتون وبين "الأطروحات" الأصولية
الإسلامية التي تلقفتها فقسَّت العالم بمقتضاها إلى "فسطاطين" مشتبكين.
راجع نقدنا لها في مقدمة الطبعة الثانية لكتابنا: الدولة في الفكر الإسلامي
المعاصر، م م س. وانظر كتابات رضوان السيد في موضوع الإصولية.
16- وإن كان يجوز لنا -مع ذلك- أن نتساءل عن نصاب الإمامة من تلك الثوابت
عند من يقول بها ومن يُخرجها من دائرة العقيدة معتبراً إياها من الفقهيات:
وهي موضوع اختلاف.
17- كان عبد الله العروي قد نبَّه مبكّراً إلى هذه المفارقة في السلوك
العربي تجاه الحداثة: استهلاك ثمراتها الاجتماعية والاقتصادية والتقنية
ورفض المقدمات الفكرية التي أنتجت تلك الثمرات. راجع: عبد الله العروي:
العرب والفكر التاريخي، بيروت، دار الحقيقة، 1973م.
18- العبارة مستقاة من المستشار طارق البشري في معرض مقارنته بين حسن
البنا وسيد قطب، طارق البشري: الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في
التاريخ المعاصر. القاهرة؛ بيروت: دار الشروق، 1996م، ص33.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://albahito.alafdal.net
 
في نقد خطاب الأصالة وعوائق التغيير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مــنــتـديات البــــــاحــث الأفـضــــــل  :: فضاء مجموعة الشباب الباحثين :: .-
انتقل الى: